الخميس 24 ذو القعدة 1438 هـ | 17/08/2017 م - 02:26 مساءً - بتوقيت مكة المكرمة


صينية الجيران
الخميس | 08/06/2017 - 06:57 صباحاً

 

وكالة أنباء الروهنجيا ـ مركز الدراسات والتنمية الروهنجية 

طوت الأيام كثيرًا من عاداتنا الجميلة التي تنبئ عن معدن أصيل في الأمة الأراكانية الكريمة المسلمة(1)! فما زالت الذاكرة تحتفظ بذكريات تداعب مشاعرنا كلما حن الفؤاد لتلك الأيام العزيزة.

لقد كان الناس يحملون قلوبًا صافية كالمرآة لا تعرف الغل ولا تنطوي على كراهية؛ بل كانت أقرب إلى البراءة.. تحفها طيبة غراء!

وإذا دنا شهر رمضان المبارك دنت معه ذكريات صينية(2) الجيران التي تحمل الوفاء والحب قبل أن تحمل أصناف الطعام في أقداح مختلفة الحجم.

لم تكن عبئًا على أحد، بل كانت منافسة شريفة ودودة من أعمال البر التي طبعت على حبها نفوس أهل ذلك الزمن الجميل..

كانت تنتقل بين البيوت بكل طمأنينة.. لا تكاد تدخل قرية من قرى أراكان قبيل المغرب إلا وتجد في أزقتها صينية يحملها شاب أو حتى طفل في مقتبل العمر وقد غطاها بمنديل أو خرقة لطيفة.. يمشي الهوينى(3) خائفا من انكباب العصير.. ينظر إليها بوقار..

وعندما تصل إلى أي بيت يتسارع أهله لاكتشاف ما أرسل لهم جارهم الحبيب.

وكأني بعجوز تسأل عن محتواها بابتسامات تعلو شفتيها وتزيح الغطاء وتقول للطفل الذي أتى بها: ماذا صنعت أمك اليوم؟
ثم تقلب نظرها فيما قدمت وتتناول شيئا منها فتعطيه إياه مكافأة له على حملها إليهم، فإذا أكل قالت وهي تضحك: أما صُمْتَ يا ولدي؟!
فيلفظ الطفل ما بفمه متظاهرا بالصوم! فتضمه وتنثر عليه لآلئ الثناء..
ثم تطلب العجوز من بناتها إفراغ الأواني عاجلا وردها مملوءة من طعام بيتهم في جوٍّ مفعم بالحب والصفاء.

تكاد هذه الصينية تختصر معاني الحب والوئام التي يعيشها أهل تلك القرى الحبيبة!
هي حديث البنات لجاراتهن، ومعرض فخر للأطفال حين يتحدثون عنها بكل اعتزاز!

كبرنا.. وما زالت صينية الجيران تعيد نشوة الاعتزاز إلى ذاكرتنا كلما نبض الفؤاد بذكرها.. كأنها قنديل(4) عُلِّقَ بغصن تاريخنا التليد في أراكان تضيء بين زحمة الهموم؛ لنبصر ما يُفرحنا ولو لبعض حين!!

  هكذا كانت صينية الوفاء تاريخًا عَبِقًا ينفح بالحب والسلام..

ولكن –وا أسفا- مرت الأيام واهترأ ثوب الود وقل الوفاء؛ لتغيب تلك الصينية وتختفي في غياهب الجفاء ودوامس الهجران(5) بين الجيران!
تناديها قلوب الشوق كل صباح..

أيتها الحبيبة الحسناء..
هل تعودين لنحتفل بعودة روح التعاون بيننا..
ونوصل الحاضر بالماضي؟!
أم نكتفي بالذكرى والذكرى أليمة..
يا جارة الأحلام؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأمة الأراكانية المسلمة: هم المسلمون من أهل أراكان المحتلة من قبل دولة بورما البوذية.

(2) الصينية: ماعون من الخزف الصيني أَو نَحوه يقدم عَلَيْهِ أواني الطَّعَام أَو الشَّرَاب، وجمعها: صينيات. ينظر: "المعجم الوسيط" (1/531).

(3) الهوينى: الاتئاد فِي الْمَشْي. ينظر: "المعجم الوسيط" (2/1001).

(4) القنديل معروف، وهو المصباح. ينظر: "تاج العروس" (30/290).

(5) أي: ظلمات الهجران، والدوامس جمع دامس، والدامس هو: المظلم، يقال: ليل دامس: أي مظلم. ينظر: "الصحاح" للجوهري (3/930).


التعليـــقات
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الوكالة وإنما تعبر عن رأي أصحابها

ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث
تابعونا على فيسبوك