ميانمار .. لاجئون على حدود الأمل واليأس
13/01/2015

مايكل بيل من بانكوك - الاقتصادية السعودية
13 يناير 2015

 

أمضى العم جورج في المنفى أكثر من 37 عاماً، إلا أن جاذبيته لا يمكن أن تخفي رغبته في العودة إلى وطنه. هذا الرجل ذو الشعر الفضي والأسنان المفرقة والضحكة اللعوب، الذي كان يعمل معلما في السابق، يعيش في "مأوى مؤقت" يقع في شمال تايلاند منذ أن فر من موطنه في منطقة الكارين، في الجزء الشرقي من ميانمار عام 1977.

وقد وصف مجيئه إلى هذا المكان بقوله إن الحكم الديكتاتوري العسكري في ميانمار ـ بورما سابقا ـ أودعه السجن وإنه كان محظوظاً لإطلاق سراحه. فأغلب أصدقائه من الذين سجنوا في ذلك الوقت انتهى مصيرهم، كما قال، إلى الموت. وقال إنه " قتل" هويته الحقيقية منذ سنوات طويلة كجزء من عملية هروبه من وطنه، وهو متردد في إعطاء أي شيء أكثر عن لقبه.

اليوم هو جزء من هيئة مهمتها رعاية سبعة مخيمات للاجئين في تايلاند، تستضيف أكثر من 100 ألف من الذين هُجِّروا من ميانمار، أغلبهم من أقلية الكارين، وهي مجموعة مكونة من سبعة ملايين نسمة يملكون ثقافة ولغة خاصتين بهم. وكثير من هؤلاء باتوا يتساءلون عما إذا كانت هناك نهاية لهذا الصراع، الذي يقف وراء هذا الرحيل المستمر منذ زمن طويل، والذي لا تعرف عنه وسائل الإعلام العالمية سوى القليل.

يقول جورج إنه يبلغ من العمر الآن 64 سنة، ولذلك هو يتذكر فرقة البيتلز. وهو زعيم في مجتمعه المهجَّر، ويتمتع بحس رجل الدولة المسن. ويضيف: "أعتقد أن 60 عاماً من الحرب الأهلية تكفي. تخيلوا؛ باحثون عن ملجأ مؤقت يقيمون منذ أربعة عقود في تايلاند، إنه عبء ثقيل جداً يحمله مجتمعنا".

ربما لا تكون المشاكل الإنسانية السائدة في هذا الركن من جنوب شرق آسيا ذات طبيعة واضحة بقدر الكوارث المدمرة الشبيهة، التي تواجه الملايين من المهجرين السوريين. لكن الصراع في ميانمار وآثاره الإقليمية يمكن أن تنذر بحدوث ما يجري في الشرق الأوسط الآن. ففي العام الماضي كان أكثر من مليون من سكان ميانمار الذين يُقدر عددهم رسمياً بـ 51 مليون نسمة إما لاجئين في الخارج وإما مهجرين داخلياً، بحسب "مركز مراقبة الهجرة الداخلية"، الذي يوجد مقره في جنيف. وكان نفيهم ناتجاً إما عن حرب أهلية أشعلتها أولاً ظروف استقلال بورما عن بريطانيا في عام 1948، ثم زاد أوارها نصف قرن من الحكم الديكتاتوري في البلاد.

وكانت الحكومة شبه المدنية التي تسلمت السلطة من الجنرالات الذين حكموا البلاد في عام 2011 قد وقعت اتفاقا مشروطا لإيقاف إطلاق النار مع الكثير من المجموعات العرقية والسياسية والعسكرية، منها اتحاد الكارين الوطني، وهو المنظمة الرئيسية التي تمثل شعب الكارين. لكن السلم أصبح مضطربا ومعرضاً لخطر صدامات متفرقة وصراعات واسعة على السلطة أثناء استعداد البلاد لانتخابات وطنية مهمة تجري في نهاية هذه السنة، ويفترض أن تكون خطوة حاسمة بعيدا عن خمسة عقود من الحكم الديكتاتوري.

كانت هذه الصراعات تتوهج وتخبو منذ أربعينيات القرن الماضي، بالرغم من أنها كانت شديدة في الـ 30 عاماً الأخيرة. وكان على لاجئي الكارين، مثل غيرهم من الذين جاؤوا بسبب خليط من الحروب الصغيرة في بلادهم، أن يبدأوا ببناء هياكل حكم ومجتمعات وخدمات من العدم خاصة بهم. وهذا يفسر لماذا بقيت منطقة الحدود واحدة من أكثر المناطق التي استمر فيها انخراط لجنة الإنقاذ الدولية لفترة طويلة.

لجنة الإنقاذ الدولية، وهي منظمة خيرية إنسانية شريكة لـ "فاينانشيال تايمز" في ندائها الموسمي لعام 2014/2015، بدأت العمل في تايلاند عام 1976 استجابة لتدفق اللاجئين من الدول المجاورة، فيتنام ولاوس وكمبوديا. وتتعامل هذه الهيئة الخيرية منذ فترة طويلة مع أكثر من 140 ألفا من اللاجئين الذين جاؤوا من ميانمار، والذين بدأوا يفرون من بلدهم بأعداد كبيرة في عام 1984. ويمتد عملها ليشمل الكثير من المجالات، مثل الرعاية الصحية والأمن الغذائي وإحقاق العدالة وحقوق المرأة.

وتقف ميانمار في هذه السنة على أعتاب فترة يمكن أن تبدأ فيها إصلاحات عميقة، لكن السلام الشامل في تلك البلاد لا يزال عصيا - على الرغم من الأمل الذي جلبه انحسار الصراع، إلا أن هناك فرصا جديدة للنزاع. يقول إيه كالو شو أو، مدير دائرة الكارين للصحة والرعاية الاجتماعية، وهي الدائرة الإقليمية العرقية النظيرة لوزارة الصحة في حكومة ميانمار: "سيأخذ هذا وقتاً. نحن نشهد الآن فترة انتقالية لا يوجد فيها سلام بعد".

وتتركز عملية دعم المهجرين على جانبي حدود البلدين في بلدة ماي سوت التايلاندية الحدودية الصغيرة الواقعة في الشمال، وهي مكان هادئ يقع على بعد ساعة بالطائرة من مدينة بانكوك الدائبة الحركة. وبعض من الذين يعيشون داخل وخارج المعسكرات المبعثرة يحصلون على الخدمات الطبية من عيادة ما تاو. حين بدأت الدكتورة سينثيا ماونغ، مؤسسة العيادة ومديرتها، العمل فيها قبل 25 عاماً، كانت عبارة عن مبنى كئيب وأرضيات قذرة. ومنذ ذلك الحين استطاعت الدكتورة سينثيا، وهو اسمها المعروف لدى الجميع، بناء مرفق طبي يخدم بين 400 و500 مريض في اليوم ويساعد على ولادة أكثر من 2700 طفل سنويا.

تقول الدكتورة سينثيا التي يتناقض أسلوبها المتواضع مع التكريم والثناء اللذين تحظى بهما على المستوى الدولي (ومن ذلك الصورة الكبيرة التي علقت على أحد جدران المستشفى بمناسبة عيد ميلادها الـ 55، الذي حلّ منذ فترة قريبة) إنها لاحظت تغيرات في تفكير نساء الكارين، إضافة للتحسن الذي طرأ على صحتهن في العقود الماضية. وتضيف: "اعتادت النساء هنا القول إنهن يرغبن في إنجاب ثمانية أطفال، لأن اثنين منهم سيموتون، واثنان غيرهما سيصبحان من الجنود، واثنان آخران سينتقلان إلى مكان آخر، ولذلك من الذي سيعتني بك عندما تصبحين طاعنة في السن؟". وتتابع: "لكن بعد سنتين أو ثلاث سنوات من حصول هؤلاء النسوة على الرعاية الصحية بدأن في تغيير خططهن الأسرية لتنظيم ولادتهن".

ويعتبر التركيز على الرعاية الصحية، خاصة فيما يتعلق بالمحافظة على الطفل وعلى رعاية الأمومة، مثالاً على كل ما يمكن إنجازه هنا ومدى الحاجة للقيام بالمزيد من ذلك. وقد ساعدت لجنة الإنقاذ الدولية في التفاوض على قيام تعاون بين حكومة ميانمار ودائرة الكارين للصحة والرعاية الاجتماعية، للبدء في تقديم المزيد من الخدمات الصحية على جانب ميانمار من الحدود. كما ساعدت هذه اللجنة على تمويل أجور موظفي الرعاية الصحية، من الذين يعملون في نحو نصف العيادات المتنقلة الـ 40 التي تدار وتعمل الآن في المنطقة لخدمة مجتمع الكارين ـ تعمل كل عيادة على خدمة 3000 ـ 5000 شخص.

وبالرغم من هذا التطور الذي تم إحرازه، إلا أن حجم المعاناة لا يزال مرعباً. فقد كشفت الأرقام التي استخدمتها سلطات الكارين، والمأخوذة من إحصائيات أجراها عدة باحثين، مدى صعوبة إنجاز التحسينات في بلد تعرض للضعف والوهن بفعل عقود من الصراع، وحيث يبلغ متوسط حصة الفرد من الدخل، بحسب تقديرات البنك الدولي، مبلغا لا يزيد كثيرا على 1100 دولار في السنة.

في عام 2013 توفي نحو واحد من كل عشرة أطفال في شرق ميانمار قبل مرور سنة على ميلادهم، وتوفي نحو ثلاثة من كل 20 طفلا قبل أن يبلغوا خمس سنوات - يبدو أن كلا الرقمين أسوأ من المعدلات المقابلة لهما قبل خمس سنوات، على الرغم من تعثر المقارنات بسبب سجلات الولادة غير المكتملة وعدم وجود اتساق في المناطق الجغرافية التي شملتها الدراسة. ويأمل خبراء الصحة في المنطقة أن يكون في إمكانهم عكس هذه الاتجاهات الآن بعد أن تراجعت حدة الصراع. وهم يهدفون إلى معالجة مشاكل الصحة العامة والأمراض الأوسع نطاقا، مثل الإسهال والالتهاب الرئوي، التي تصيب الأطفال بشكل خاص.

في أحد الفصول الدراسية الموجودة على الجانب الآخر من المدينة التي توجد فيها عيادة ماي تاو، يستخدم المعلم فيديو يعرضه من كمبيوتره المحمول لشرح خاصية الضغط الأسموزي للطلاب. وهذا جزء من مشروع تديره لجنة الإنقاذ الدولية بالتعاون مع جامعة تاماسات في بانكوك، لمساعدة العاملين الكارين من ذوي الخبرة في مجال الصحة على الحصول على المؤهلات الرسمية التي سيتم الاعتراف بها من قبل حكومة ميانمار، في حال تمكنوا من العودة إلى العمل في البلاد في أي وقت.
وتقول صوفيا هلا (36 عاما)، التي كانت تعمل في عيادة ماي تاو لأكثر من عشرة أعوام: "على الرغم من أننا نعمل منذ فترة طويلة، إلا أننا ليس لدينا ما يسمح للاعتراف بنا". وأضافت: "لذلك هذا يعتبر فرصة بالنسبة لنا".

وفي حين أن تراجع القتال وازدياد حرية الحركة من العوامل الإيجابية، إلا أنهما لا يخلوان من المشاكل. فقد تم الإبلاغ عن نحو 20 شخصا قتلوا أو جرحوا بين عامي 2012 و2014 بسبب الألغام الأرضية التي تم زرعها في منطقة الكارين أثناء الحرب، بحسب جماعة لحقوق الإنسان مدعومة من لجنة الإنقاذ الدولية.
وبعض الشركات استغلت أيضا الحرية الأكبر وانقضت للاستيلاء على الأراضي في المنطقة، ما دفع جماعة حقوق الإنسان في الكارين لإطلاق مشروع لمساعدة السكان المحليين للضغط على السلطات لمعالجة عمليات وضع اليد على الأملاك والانتهاكات الأخرى للحقوق.

ويقول واي لاي، منسق الدفاع عن المجموعة: "سيكون ذلك فرصة لنا لبناء علاقة مع الحكومة". ويضيف: "حتى نتعرف عليهم، وأيضا بالنسبة لهم حتى يتعرفوا علينا".
وتعد هذه المبادرة مثالا واحدا على طريقة عمل مجموعات الكارين والداعمين الدوليين لهم.

وتجارب الكارين وجماعات ميانمار الأخرى في تايلاند تعكس الذل الذي يتطور ببطء والتهميش الاجتماعي الذي يعانيه كثير من اللاجئين في جميع أنحاء العالم. ورغم أن السلطات التايلاندية تستضيف المخيمات منذ فترة طويلة، إلا أنها لا ترغب في الإعلان عن وجودها وترفض طلبا من لجنة الإنقاذ الدولية لأخذ "فاينانشيال تايمز" لترى اللاجئين. وغالبا ما يتم تقييد تحركات السكان، بحيث يمنعون من العمل خارج مرافق المخيمات، أو حتى تخطي حدودها.

ومصدر الانشغال الكبير لمجتمع ميانمار هذا، الموجود في طي النسيان التايلاندي، يكمن في تحسين الوصول إلى العدالة. يقول العم جورج، إن المخيمات أنشأت مراكز احتجاز خاصة بها ومحاكم للجرائم على مستوى منخفض، مثل السرقات والمشاجرات التافهة، التي يتم التعامل بشكل عام معها من خلال تدابير مثل خدمة المجتمع والتعويضات المتفق عليها. ويتم رصد هذه الشبكة القانونية من قبل مركز المساعدة القانونية الذي تدعمه لجنة الإنقاذ، ومقره في ماي سوت، والذي لعب أيضا دورا فاعلا في مساعدة سكان المخيم على استخدام المحاكم التايلاندية للمرة الأولى.

إحدى العائلات، التي طلبت عدم استخدام أسماء أفرادها الحقيقية، تخبرنا كيف ساعدها المركز على كسب تعويض بعد أن تم دهس ابنتهما التي تبلغ الآن تسع سنوات، على طريق خارج المخيم في عام 2013. كان لدى والديها حاجة ماسة للمال: الزوج يكسب 120 بات (أقل من أربعة دولارات) يوميا من عمل غير قانوني في وظيفة عامل زراعي، في حين تكسب زوجته 1200 بات فقط في الشهر من عملها مدرسة في مدرسة في مخيمهم. ويقول: "لا بد لي من الخروج سرا [من المخيم] والعودة سرا". ويضيف: "إن لم أخرج، لن تكون عائلتي قادرة على الحصول على الطعام حتى تأكل".

كسرت ساق ابنتهما وأصيبت بجروح في جنبها وفكها في حادث العام الماضي، لكنها تماثلت الآن للشفاء التام. ووفقا لوالديها، قال السائق إنه لم يتوقف بسبب أن رؤيته كانت غير واضحة وإنه كان قلقا من أن تصطدم به سيارة كانت تسير وراءه. ودفع الرسوم الطبية الأولية، وليس رسوم متابعة العلاج ولا تكاليف معيشة الأسرة التي كان يتعين عليها حينها البقاء بالقرب من المستشفى.

واستطاع الوالدان تأمين 60 ألف بات (نحو ألفي دولار) في إطار برنامج تعويض الإصابات الجنائية في تايلاند. ويقول الأب: "لولا مساعدة المركز ما حصلت على أي مال". ويضيف: "ساعدني مركز المساعدة القانونية كثيرا".

مثل اللاجئين الآخرين الذين يقيمون لفترات طويلة، هذه العائلة ومثيلاتها بحاجة إلى الكرامة والحقوق التي يجب فرضها، بقدر حاجتها إلى المال. ومع أن العودة إلى الوطن تبدو الآن ممكنة بالنسبة للمهجَّرين من فئة الكارين أكثر مما كانت في أي وقت مضى خلال السنوات الـ 40 الماضية، إلا أن أحدا لا يستطيع أن يفترض أي شيء، خصوصا وسط عوامل اللبس التي تحيط بالانتخابات، وحشد القوات العسكرية في ميانمار. وبعض اللاجئين يقومون بصفة مؤقتة بزيارة مساكنهم القديمة، لكنهم مع ذلك، على حد تعبير العم جورج، لا يزالون يُبقون "قَدما هنا وقَدما هناك". بخلاف ذلك، نحن أمام جيل كامل من اللاجئين الذين ولدوا ونشأوا في تايلاند، بعضهم ربما لا يشعر بصلة تذكر مع ميانمار وليست لديه أية رغبة في العيش هناك.

ويشعر العم جورج بالقلق حيال الفصل التالي في ميانمار، حتى وسط الترحيب الدولي بالتغيرات هناك. في عالم من الأزمات التي لا تحصى والتي تستحوذ على عناوين الأخبار في بلدان أخرى، يقول: "نشعر بالقلق من أن يشعر المانحون بالإنهاك. لكن بدون أية تبرعات، وبدون أية مساندة من المتعاطفين، أين سنعيش؟ ما مستقبلنا؟".


المصدر: وكالة أنباء الروهنجيا
http://www.rna-press.com/