تقرير البرامج للمركز الدولي للعدالة الانتقالية: بورما/ ميانمار
06/07/2013

شهد عام 2011 نهاية خمسين سنة من حكم العسكر في بورما (التي أصبح اسمها رسمياً الآن ميانمار). ومنذ ذلك الوقت حدثت سلسلة من المشكلات حديثة النشوء والتي تستمد جذورها من إرث الحكم العسكري.

على الرغم من الإصلاحات الإيجابية لا يزال النزاع المسلح مستمراً في شمال بورما/ ميانمار، كما أن تحرير الاقتصاد أدى إلى تفشي ظاهرة وضع اليد على الأراضي. أما العنف الموجه ضد المسلمين والخطاب المعادي لهم في مختلف أنحاء البلاد فيهدد بتقويض أي تطور إيجابي.

نتحدث في تقرير البرامج الأخير مع باتريك بيرس مدير برنامج بورما/ميانمار التابع للمركز الدولي للعدالة الانتقالية حيث يجري بيرس تحليلاً لحالة العدالة الانتقالية في هذا البلد. ويلقي نظرة على نوع المساعدة الفنية التي يقوم المركز الدولي للعدالة الانتقالية بتقديمها لجماعات المجتمع المدني في بورما التي تعمل على تعزيز المؤسسات الديمقراطية وزيادة الثقة في عملية السلام.

أجرت حكومة الرئيس ثين سين منذ مجيئها إلى السلطة عام 2011 سلسلة من الإصلاحات التي كان من بينها الإفراج عن مئات السجناء السياسيين كزعيمة المعارضة أونغ سان سوكيه التي أصبحت الآن نائباً في البرلمان. هل تشكل آليات العدالة الانتقالية، كجبر الضرر أو البحث عن الحقيقة أو المحاسبة الجنائية، جزءاً من هذه الإصلاحات؟ وكيف اضطلع المركز في العملية؟

يمكننا رؤية بعض الخطوات التي اتُخذت حديثاً جداً بخصوص آليات العدالة الانتقالية وذلك في إطار هذه الإصلاحات ولكن لا توجد إرادة عامة أو خطة استراتيجية عامة للتعامل مع الماضي. إلا أنه وفي الوقت الذي تدخل فيه الحكومة في وقف لإطلاق النار ومفاوضات سلام مع جماعات مسلحة غير رسمية، تتعالى أصوات شكاوى بشأن الماضي فيما شرعت جماعات المجتمع المدني في المناطق المتضررة في الالتفاف حول قضية العدالة.

يتوجب علينا رؤية كثير من الإصلاحات في ضوء الظروف التي تحيط بتلك الإصلاحات أو القيود التي تحد منها.

فعلى سبيل المثال، تم الإفراج عن السجناء السياسيين إلا أن معظمهم أُفرج عنه بموجب المادة 401 من قانون العقوبات الأمر الذي يجعل من إطلاق سراحهم شيئاً أقرب إلى كونه إرجاء لتنفيذ الحكم أو عفو مشروط منه إلى عفو عام.

"يمكننا رؤية بعض الخطوات التي اتخذت حديثاً جداً بخصوص آليات العدالة الانتقالية وذلك في إطار هذه الإصلاحات ولكن لا توجد خطة استراتيجية عامة للتعامل مع الماضي."
     وُجهت إلى أحد هؤلاء السجناء الشهر الماضي، واسمه ناي ميو زن، تهمة التشهير لقوله إن رجال الشرطة المتورطين في قضية وضع اليد على الأراضي فاسدون. وحُكم عليه بغرامة صغيرة والسجن مدة قصيرة تبلغ ثلاثة أسابيع.
وعندما تقدم الفلاحون الذين كان يساعدهم بمبلغ كفالته، تم إبلاغه بأن الحكم الصادر بحقه سابقاً لم يعد مؤجل التنفيذ ومن ثم أُعيد إلى السجن.

وقبل زيارة الرئيس ثين سين إلى الولايات المتحدة، أمر بالإفراج عن ناي ميو زين. وكانت قضية ميو زين بمثابة تذكير لآخرين تم الإفراج عنهم بأن الأحكام الصادرة بحقهم لا تزال سيفاً مسلطاً على رقابهم.

إلى جانب ذلك، أصبحت موجة وضع اليد على الأراضي – بل هي ظاهرة متفشية في الحقيقة- تشكل ضغطاً حقيقياً من قبل المزارعين والناشطين لتحدي الإفلات من العقاب التي استولى من خلاله العسكر والمحسوبين على السلطة ورجال الأعمال على الأرض. ويبدو أن تلك التحديات –على الصعيدين القضائي والإداري- لا تميز بين حكومة ما قبل الانتخابات وحكومة ما بعدها.

بدأ المركز الدولي للعدالة الانتقالية العمل على الأوضاع في بورما عام 2003 ومن ثم قام باستحداث برنامج قطري خاص بها عام 2008.

في عام 2009، أصدرنا تقريراً رئيسياً بعنوان، "إطالة أمد الإفلات من العقاب: بورما ودستورها لعام 2008"الذي تعرض بالتحليل للعيوب التي تعتري الدستور والتي تحول دون الأخذ بخيارات العدالة الانتقالية.

كما أننا نعمل بشكل مكثف مع منظمات محلية تقوم بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان. لقد عملنا طيلة الأشهر الثماني عشرة الماضية مع سجناء سياسيين تم الإفراج عنهم وجماعات من المجتمع المدني ومستشارين دوليين ضالعين في المفاوضات بين الحكومة وجماعات المعارضة المسلحة.

على الرغم من أن المرحلة الانتقالية في بورما بدأت تقريباً في الوقت نفسه الذي حدثت فيه كثير من الانتفاضات الشعبية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلا أن التحول الديمقراطي في بورما يُعزى إلى حد كبير إلى قرار قيادتها البدء بإجراء إصلاحات. وقبل أن نلقي نظرة على الوضع كما يتبلور على الأرض الآن، هل لك أن تطلعنا على بعض مما دار في خلفية الأمور التي قادت إلى التحول في المقام الأول؟

لقد لعبت مجموعة معقدة من العوامل المعقدة دوراً هنا. فبعد أن حصلت بورما على استقلالها من بريطانيا العظمى عام 1948، كانت هناك فترة قصيرة من الديمقراطية إلى أن قام الجنرال ني وين بانقلاب عام 1962. ثم أجبرته مظاهرات مؤدية للديمقراطية على الاستقالة عام 1988، ومنذ ذلك الحين والعسكر يزعمون أنهم "نظام انتقالي".

وفي السنوات الخمس أو الست الأخيرة، حدثت بضعة تطورات مهمة يمكننا الإشارة إليها – كالمظاهرات التي تزعمها الرهبان عام 2007 والتي طالبت بالديمقراطية والمصالحة الوطنية (ثورة الزعفران)؛ وإعصار نرجس عام 2008؛ وتزايد الزخم لصالح لجنة لتقصي الحقائق؛ والإقرار بأن الدكتاتور، الجنرال المسن ثان شوي، أصبح طاعناً في السن.

لقد تم العمل على نحو جدي ومكثف لإدارة "الهيكل الأساسي" للفترة الانتقالية –دستور عام 2008 والاستفتاء الذي وافق عليه، والانتخابات التي أعقبت ذلك، وحتى اختيار القادة ضمن الحزب الحاكم- بما يكفل استمرار دور العسكر في السياسة وحماية مصالحهم.    
"لقد عملنا طيلة الأشهر الثماني عشرة الماضية مع سجناء سياسيين تم الإفراج عنهم وجماعات من المجتمع المدني ومستشارين دوليين ضالعين في المفاوضات."
تحتل بورما موقعاً استراتيجياً بين الصين والهند وهي غنية بالموارد الطبيعية، لذا فإنه يمكننا أيضاً رؤية التنافس الحاصل على المشاركة الاقتصادية بين هاتين القوتين الصاعدتين كما أن الولايات المتحدة وأوربا لعبتا دوراً.

ينص الدستور على أن يحصل الجيش على 25% من مقاعد البرلمان كما أنه يشتمل على فقرة حصانة تعفي الأنظمة السابقة من أي شكل من أشكال المحاسبة عن عقود من القمع وانتهاك حقوق الإنسان. وبذلك فإن العملية تنطوي على بعض الحماية للعسكر.

ومن حيث الدوافع الإيجابية، رغم ذلك، أشار العديد من المحللين إلى رغبة القوات المسلحة في استعادة سمعتها. فقد لعبت هذه القوات دوراً مهماً في النضال ضد الاستعمار بالإضافة إلى مقاومة الاحتلال الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، لذلك، ثمة إرث تاريخي فقدته هذه المؤسسة كونها أصبحت المؤسسة التي تضطهد الشعب بدلاً من حمايته.

من وجهة نظر المركز الدولي للعدالة الانتقالية، هل التصنيف العام للمرحلة الانتقالية من "الأعلى-للأسفل" كانت حقاً دقيقة؟ كيف كان تأثير الاحتجاجات أو الحركات، كمظاهرات عام 2007 أو الاحتجاجات البيئية المحلية المناوئة جميعاً للحكومة على ذلك؟

لقد توزعت سلطة الدولة من قبضة رجل واحد كان يدير المشهد كله إلى مجموعة من اللاعبين المتنافسين على السلطة والنفوذ ضمن الدولة، ومن بينهم القوات المسلحة والبرلمان والسلطة التنفيذية.

إن رئيس وقيادات الحزب الحاكم، حزب الاتحاد والتضامن والتنمية، هم عسكر سابقون، لذا فإن العلاقة بين الحزب والجيش معقدة، وهناك –بالطبع- صراع داخلي على السلطة داخل هذا الحزب.

"لقد توزعت سلطة الدولة من قبضة رجل واحد يدير المشهد كله إلى مجموعة من اللاعبين المتنافسين على السلطة والنفوذ ضمن الدولة."
    وإذا أضفنا إلى ذلك التأثير المتزايد للرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية المعارضة، والتحالفات القائمة بين أحزاب إثنية، والمجتمع المدني بوجه عام، سيكون بوسعنا معرفة حجم التعقيد الحقيقي للوضع. إن هيكلية السلطة ليست واضحة ومباشرة كما كانت عليه قبل العملية الانتقالية.
ستُجرى الانتخابات المقبلة عام 2015. لا يزال حزب أونغ سان سوكيه، حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية، يحظى بشعبية واسعة على الرغم من المخاوف من أن تكون سنوات إقامتها الجبرية والترهيب الذي مورس على أعضاء حزبها طيلة العقدين الماضيين قد أضعفته. وقد اكتسح الحزب الانتخابات التكميلية عام 2011 ومن المتوقع أن يبلي بلاء حسناً في انتخابات عام 2015.

كما ذكرت سابقاً، تجري الآن مفاوضات سلام في مناطق النزاع المسلح، لذا فإن الكيفية التي ستصوت بها هذه المجتمعات قد يكون له أيضاً تأثير كبير على نتائج الانتخابات.

تقع العلاقات المتوترة بين الحكومة المركزية وهذه الجماعات الإثنية في صميم هذا النزاع، لذلك فإن التوصل إلى حل سياسي ما للضيم الذي يشتكي منه هؤلاء ضروري تماماً. هناك بعض من الوزارات التنفيذية والبعض من النواب ممن ينشطون للغاية في عمليات الإصلاح والسلام ولكن هذا النشاط لم تتم مأسسته بعد، وهذا يعني أن الأمر كله غير قائم على أسس وطيدة.

وعن تأثير تظاهرات 2007 وغيرها من نشاطات المجتمع المدني – فإنه من الصعب معرفة مقدار تأثيرها على عملية وضع الصيغة النهائية للدستور وإجراء الانتخابات.

لكن، في المجمل، ثمة إحساس بأن الحكومة لا يمكنها رفض الرأي العام بالكامل كما كانت تفعل خلال حكم العسكر. إن بعضاً من شركاء المركز الدولي للعدالة الانتقالية، ومنهم جماعات السجناء السياسيين السابقين، منخرط بشكل نشط مع الحكومة يدعو إلى إخلاء سبيل بقية السجناء السياسيين، على سبيل المثال.

أخذ الطعن في المسلمين والعنف الممارس ضدهم على يد قوميين بوذيين مسلحين بالانتشار الآن من ولاية أركان إلى بورما الوسطى. وقد فشلت السلطات في السيطرة على العنف، بل زُعم أنها في بعض الحالات أسهمت في إثارته؟ وقد أوحت بعض السلطات البورمية أن ذلك "صراع طائفي" متأصل في البلد متعدد الإثنيات متعدد الأديان. ما سبب نشوء هذا العنف وكيف يؤثر على حوار العدالة الانتقالية المحتمل؟

أولاً، أعتقد أنه من المهم الإشارة إلى الصراع الإثني ليست متأصلاً ولا حتمياً.

تلك قصة طويلة، لكنها بصورة أساسية تعود إلى أيام الاستعمار. لقد تمازجت الجماعات في مختلف أنحاء الهند وجنوب شرق آسيا فيما بنيها لعدة قرون، ولكن عندما استُعمرت بورما من قبل بريطانيا العظمى جاء الكثير من الموظفين الحكوميين من الهند لتسيير شؤون إدارة المستعمرة.

وبالتالي، كان هناك استياء من ذلك دام لفترة طويلة، ومنذ الاستقلال قامت السلطات بصورة دورية باستثارة المشاعر المعادية للمسلمين من أجل تعزيز الوحدة الوطنية حول فكرة الأمة البوذية.    
"الصراع الإثني ليس متأصلاً ولا حتمياً. "
يتخذ الصراع أشد أشكاله تعقيداً عند الحدود مع بنغلاديش لأن الروهينغا محرومون من الجنسية لأنهم في ولاية أركان. وقد عانى أهالي أركان أنفسهم من التمييز على يد الحكومات البورمية التي كان يقودها العسكر في الماضي، وتم استغلال مواردهم الطبيعية وهي منطقة شديدة الفقر.

الرد الافتراضي على العنف هو زيادة التدابير الأمنية، ويغذي ذلك خرافة أن الصراع حتمي ومتأصل وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة للتعامل معه هي من خلال القوة.

إن رؤية الأمور بهذه الطريقة تقضي على إمكانية إدراك مَن في الحقيقة يقوم باستثارة الصراع وعلى إمكانية محاسبة أي شخص بشأن هذا الصراع والنظر فيه لمعرفة من المستفيد منه وما الذي ينبغي فعله لزيادة الثقة بين الجماعات بدلاً من تعزيز انفصالها عن بعضها.

لذلك، فإن هذا العنف ليس نتيجة وعي حديث التشكُّل بالحريات – بل على العكس تماماً. إنه استمرار لنمط الإفلات من العقاب الذي تمتعت به الأنظمة السابقة في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها بحق الجماعات الإثنية.

تعتبر العملية السلمية في بورما معقدة للغاية كما أنها تنطوي على عدد هائل من الفاعلين الفريدين. هل هناك أية قضايا يجري حالياً التفاوض بشأنها ضمن عملية السلام يمكن أن يكون لها مضامين تتعلق بتدابير العدالة الانتقالية مستقبلاً؟

المفاوضات في المرحلة الحالية هي مفاوضات تمهيدية وهي في الحقيقة تتعلق بتحقيق وقف لإطلاق النار والحفاظ عليه أكثر من أي شيء آخر.

وفي وقت سابق من هذه السنة التقت الحكومة بالمجلس الاتحادي للوطنيين المتحدين(UNFC) الذي يمثل 11 جماعة إثنية مسلحة، وجدول الأعمال هنا هو سياسي أكثر منه أي شيء آخر.

وثمة توافق آراء واسع في صفوف الجماعات الإثنية، ومن بينها المجلس الاتحادي، على وجوب أن يشتمل الحوار السياسي على آلية لحماية حقوق الإنسان وإعادة الإدماج وإعادة توطين اللاجئين والاعتراف بالحقوق الثقافية وتعزيزها.

على الرغم من الإفراج عن آلاف السجناء السياسيين لا يزال هناك أكثر من مئة سجين يقبعون في السجن. ويواجه الكثيرون ممن أطلق سراحهم عدداً من التحديات المتعلقة بالاندماج من جديد في المجتمع، مثل المشكلات الصحية العقلية والجسدية بسبب سوء المعاملة، ونقص التعليم الرسمي، والوصم الاجتماعي المرتبط بكون المرء سجيناً. ما النتائج التي ترتبت على الإفراج عن هؤلاء السجناء السياسيين وكيف يجري التعامل معهم من حيث اندماجهم من جديد في المجتمع؟ وكيف يعمل المركز الدولي للعدالة الانتقالية مع هذه الجماعات؟

شكّل الإفراج عن السجناء السياسيين تطوراً إيجابياً للغاية.

إن كثيراً من قادة الحركة المؤيدة للديمقراطية التي تشكلت أثناء مظاهرات عام 1988 هم شخصيات سياسية رئيسية الآن ويمثلون إلهاماً للآخرين كما أنهم يوفرون القيادة لنظرائهم وللأجيال الشابة.

كما كان لهم تأثير إيجابي في الوصول إلى مناطق النزاع المسلحة وتعريف أنفسهم بالظروف القائمة في تلك المناطق.

"هذا العنف ليس نتيجة وعي حديث التشكُّل بالحريات – بل على العكس تماماً. إنه استمرار لنمط الإفلات من العقاب."
    لكن هؤلاء هم الأشخاص الموجودون في المواقع القيادية. بالنسبة للكثير من السجناء المفرج عنهم، فإن تعليمهم أو مسارهم المهني انقطع ومن الصعب إعادة دمجهم في المجتمع.
لقد عانى البعض منهم من مشكلات صحية، جسدية وعقلية، خطيرة بالفعل. كما أن الشروط التي طُبقت عليهم بموجب المادة 401 من قانون العقوبات، والتي ذكرتها آنفاً، تمثل مشكلة حقيقية من حيث الثقة من قدرتهم على لعب دور في تعزيز المصالحة الوطنية.

وبحسب جماعات المناصرة، لا زال هناك أكثر من 150 سجيناً سياسياً لم يُخلى سبيلهم بعد. وقد شكّل مكتب الرئيس لجنة لمعالجة قضية السجناء السياسيين من أجل تحديد السجناء الذين يقبعون وراء القضبان لأسباب سياسية وإطلاق سراحهم. وتتألف تلك اللجنة من ممثلين عن الحكومة وعن المجتمع المدني، لكنها تعرضت للنقد بسبب عدم ذهابها إلى المدى الكافي وبسبب عدم تناولها لاحتياجات السجناء السياسيين الذين يواجهون عدداً من التحديات التي ذكرتها- وهي مشكلات ينبغي ألا يواجهوها.

أجرى المركز الدولي للعدالة الانتقالية بعض التدريبات شارك فيها بعض السجناء السياسيين المفرج عنهم. وكثير من هؤلاء ينشط الآن ويقدم الدعم النفسي لغيره من السجناء المفرج عنهم من خلال جماعات المساعدة الذاتية والتدريب المهني وأشياء من هذا القبيل.

عملت أنشطة التدريب التي أجريناها على تقديم نهج قائم على حقوق الإنسان في التعامل مع تجارب السجناء. فهم، بصفتهم ضحايا للتعذيب وضحايا للاعتقال التعسفي والحبس، يتمتعون بحق معرفة الحقيقة بشأن ما حدث والسبب في حدوثه، وبحق الحصول على شكل ما من أشكال جبر الضرر.

وقد تمكنا من تقديم بعض التجارب المقارنة والتحدث فيما قد تكون عليه أولوياتهم من أجل بلورة تلك الحقوق، وسوف نواصل تقديم المساعدة الفنية لهم أثناء تطويرهم لبرامجهم سواء أكانت من خلال توثيق تجاربهم بطريقة ممنهجة وتخليد ذكرى السجناء السياسيين الذين ماتوا في السجن أو دفع المشرعين نحو الاعتراف بأن هؤلاء كانوا سجناء سياسيين ولم يكونوا مجرمين.

تقوم منظمات محلية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في بورما منذ أكثر من عقد. وقد قدم المركز الدولي للعدالة الانتقالية النصح والتدريب لجماعات معينة حول الكيفية التي يمكن بها لهذا التوثيق أن ينشئ سجلاً تاريخياً دقيقاً لماضي بورما، أو حول الكيفية التي يمكن بها استخدامه لأغراض جهود العدالة والمصالحة في المستقبل. هل يمكننا أن نتوقع رؤية شكل ما من أشكال آليات رسمية للبحث عن الحقيقة في بورما؟

أعتقد أنه من السابق لأوانه قول ذلك. فمن القضايا الثابتة التي أسمع بها في كل تفاعلاتي تقريباً مع الناس في هذا البلد هي أهمية الاعتراف.

في إحدى دوراتنا التدريبية، قال سجين سياسي سابق للمجموعة إنه لا يريد الانتقام وأنه يفضل فقط أن يمضي قدماً وينسى ما حدث له. لكنه وبسبب التعذيب الذي تعرض له والظروف التي عاشها في السجن، فإنه يعاني من مشكلة مزمنة في الظهر تتسبب له بألم كبير. وقال إنه عندما تشتد عليه آلام الظهر فإنه لا يعود يشعر بكثير من روح المسامحة تلك. إنه يريد على الأقل أن يتم الاعتراف بأنه ما كان ينبغي له أن يمر بتلك المعاناة التي يمر بها الآن.

أعتقد أن هناك الكثير من التردد أيضاً، ومن الخوف، من أن استحضار الماضي سيحفز على وقوع انقلاب على يد الجيش.

ومن حيث الانتهاكات الموثقة، أعتقد أن ذلك السجل يمنح المجتمعات المحلية أداة مهمة من أجل وضع المظالم على الطاولة عندما يحين وقت الحوار السياسي والجزء الصعب حقاً من المصالحة الوطنية.    
"عندما تشتد عليه آلام الظهر فإنه لا يعود يشعر بكثير من روح المسامحة تلك. إنه يريد على الأقل أن يتم الاعتراف بأنه ما كان ينبغي له أن يمر بتلك المعاناة التي يمر بها الآن."
ما الشكل الذي سيتخذه ذلك – لا أحد يعلم جازماً بعد. لكن ثمة زخم متزايد باتجاه التعامل مع الماضي ومزيد من الاعتراف، على الأقل في بعض القطاعات، بأنه سوف يتعين إيجاد سبل لمعالجة المظالم المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في الماضي كي يتم التمكن من تحقيق سلام دائم ومصالحة حقيقية.

وفي سبيل تحقيق تلك الغاية، سيصدر المركز الدولي للعدالة الانتقالية ورقتين توجيهيتين عما قريب.

الورقة الأولى عبارة عن استكشاف أولي للمدى الذي تتمحور فيه قضايا العدالة في الوقت الحالي، في كل من المطالب الوطنية والمساعدة الدولية، حول الاستراتيجيات الإنمائية والسلام وبناء الأمة في بورما، بالإضافة إلى فرص إحداث تقدم في قضايا العدالة.

أما الورقة الأخرى فهي عبارة عن تقرير عملي للغاية حول التحديات التي يواجهها السجناء السياسيون المفرج عنهم والتغيرات التي يمكن القيام بها لجعل عملية اندماجهم في مجتمعاتهم من جديد أكثر يسراً. وسوف نواصل العمل مع جماعات المجتمع المدني الإثنية في معرض استكشافها لشكل العدالة في عملية السلام وتقديم المساعدة الفنية للمبادرات الجديدة حال نشوئها.

---------------------------
تقرير المركز الدولي للعدالة الانتقالية هو تقرير شهري الغاية منه عرض ما نقوم به من أعمال حول العالم. كي تصلكم نسخة من هذا التقرير وغيره من إصدارات المركز الجديدة، يرجى تسجيل الاشتراك لاستلام نشرتنا هنا.

نرحب بتعليقاتكم وملاحظاتكم وآرائكم: يرجى كتابتها إلى communications@ictj.org، أو التواصل معنا على صفحتنا على موقع r فيسبوك وتويتر.


المصدر: وكالة أنباء الروهنجيا
http://www.rna-press.com/