مسلمو بورما ..جهاد من أجل المساواة
20/11/2012

الكاتبة : سهير الجبرتي 

2007-08-28
 

 

تقع دولة بورما (ميانمار حالياً) في الجنوب الشرقي لقارة آسيا، ويحدّها من الشمال الصين، ومن الجنوب خليج البنغال وتايلاند، ومن الشرق الصين و جمهورية لاووس وتايلاند، ومن الغرب خليج البنغال وبنجلاديش، ويسكن أغلبية المسلمين في إقليم أراكان الجنوب الغربي لبورما ويفصله عن باقي أجزاء بورما حد طبيعي هو سلسلة جبال (أراكان يوما) الممتدة من جبال الهملايا.
تشير الإحصائيات الرسمية في ميانمار (بورما) إلى أن نسبة المسلمين في هذا البلد البالغ تعداده نحو (55) مليون نسمة تقل عن 15% حيث يتراوح عدد المسلمين بين (5 -8) ملايين نسمة.
ويُعدّ المسلمون من أفقر الجاليات في ميانمار وأقلها تعليماً ومعلوماتهم عن الإسلام محدودة.
ويصل عدد المساجد في العاصمة (رانجون) نحو (32) مسجداً.
ويتركز المسلمون في ولاية راكان المتاخمة لدولة بنجلاديش، وينتمون إلى شعب روهينجا. ويقول زعماء الجالية المسلمة في العاصمة (رانجون): إن الإسلام دخل بورما منذ القرن الأول الهجري على أيدي التجار العرب في حين تقول السلطات إنه دخل قبيل الاحتلال البريطاني للبلاد عام 1824، ومن هذا المنطلق يتم حرمان كل مسلم لا يستطيع إثبات جذوره في البلاد قبل هذا العام من الجنسية.
وكانت أوضاع المسلمين في البلاد قد تدهورت منذ الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال (ني وين) عام 1962؛ إذ اتجهت الدولة منذ ذلك الحين إلى طرد المسلمين من الوظائف الحكومية والجيش.
وتتحدث منظمات حقوق الإنسان الدولية عن انتهاكات صارخة يتعرض لها مسلمو الروهينجا بولاية أركان؛ إذ يتعرضون للمضايقات وتقييد حرية الحركة، وتُفرض عليهم الأحكام العرفية، وتُدمّر منازلهم، فضلاً عن تقييد حرية العبادة.
وقد قامت السلطات في ميانمار خلال السبعينيات والثمانينيات بطرد مئات الآلاف من مسلمي الروهينجا إلى بنجلاديش المجاورة. ..

دخول الإسلام أراكان
يذكر المؤرخون أن الإسلام وصل إلى أراكان في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد ـ رحمه الله ـ في القرن السابع الميلادي عن طريق التجار العرب حتى أصبحت دولة مستقلة حكمها (48) ملكاً مسلماً على التوالي، وذلك لأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، أي ما بين عامي 1430م - 1784م، وقد تركوا آثاراً إسلامية من مساجد ومدارس وأربطة، منها مسجد بدر المقام في أراكان والمشهور جداً (ويوجد عدد من المساجد بهذا الاسم في المناطق الساحلية في كل من الهند وبنغلاديش وبورما وتايلاند وماليزيا وغيرها) ومسجد سندي خان الذي بني في عام 1430م وغيرها.
في عام 1784م احتل أراكان الملك البوذي البورمي (بوداباي)، وضم الإقليم إلى بورما؛ خوفاً من انتشار الإسلام في المنطقة، وعاث في الأرض الفساد؛ إذ دمّر كثيراً من الآثار الإسلامية من مساجد ومدارس، وقتل العلماء والدعاة، واستمرّ البوذيون البورميون في اضطهاد المسلمين ونهب خيراتهم وتشجيع البوذيين الماغ على ذلك خلال فترة احتلالهم أربعين سنة التي انتهت بمجيء الاستعمار البريطاني. وفي عام 1824م احتلت بريطانيا بورما، وضمتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية. وفي عام 1937م جعلت بريطانيا بورما مع أراكان مستعمرة مستقلة عن حكومة الهند البريطانية الاستعمارية كباقي مستعمراتها في الإمبراطورية آنذاك، وعُرفت بحكومة بورما البريطانية. وفي عام 1942م تعرض المسلمون لمذبحة وحشية كبرى من قِبَل البوذيين الماغ بعد حصولهم على الأسلحة والإمداد من قِبَل البوذيين البورمان والمستعمرين وغيرهم، والتي راح ضحيتها أكثر من مائة ألف مسلم. وأغلبهم من النساء والشيوخ والأطفال، وشرّدت مئات الآلاف خارج الوطن، ومن شدة قسوتها وفظاعتها لا يزال الناس ـ وخاصة كبار السن ـ يذكرون مآسيها حتى الآن، ويؤرخون بها، ورجحت بذلك كفة البوذيين الماغ، وفي عام 1947م قبيل استقلال بورما عُقد مؤتمر عام في مدينة بنغ لونغ للتحضير للاستقلال، ودُعيت إليه جميع الفئات والعرقيات إلا المسلمين الروهينغا لإبعادهم عن سير الأحداث وتقرير مصيرهم.
وفي عام 1948م منحت بريطانيا الاستقلال لبورما شريطة أن تُمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن ما أن حصل البورمان على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، ونكثوا على أعقابهم؛ إذ استمروا في احتلال أراكان بدون رغبة سكانها من المسلمين الروهينغا والبوذيين الماغ أيضاً، وقاموا بالممارسات البشعة ضد المسلمين.

 

مآسي المسلمين في أراكان
يُعدّ التطهير العرقي أهم مآسي مسلمي بورما؛ فمنذ أن استولى العسكريون الفاشيون على الحكم في بورما بعد الانقلاب العسكري بواسطة الجنرال (نيوين) المتعصب عام 1962م تعرض مسلمو أراكان لكل أنواع الظلم والاضطهاد من القتل والتهجير والتشريد والتضييق الاقتصادي والثقافي ومصادرة أراضيهم، بل مصادرة مواطنتهم بزعم مشابهتهم للبنغاليين في الدين واللغة والشكل. ..أما ثاني المآسي فهو طمس الهوية والآثار الإسلامية: وذلك بتدمير الآثار الإسلامية من مساجد ومدارس تاريخية، وما بقي يمنع منعاً باتاً من الترميم فضلاً عن إعادة البناء أو بناء أي شيء جديد لـه علاقة بالدين والملة الإسلامية من مساجد ومدارس ومكتبات ودور للأيتام وغيرها، وبعضها تهوي على رؤوس الناس بسبب التقادم ، والمدارس الإسلامية تمنع من التطوير أو الاعتراف الحكومي والاعتراف بشهاداتها أو خريجيها.
بالإضافة إلى المحاولات المستميتة لـ (برمنة) الثقافة الإسلامية وتذويب المسلمين في المجتمع البوذي البورمي قسراً والتهجير الجماعي من قرى المسلمين وأراضيهم الزراعية، وتوطين البوذيين فيها في قرى نموذجية تُبنى بأموال وأيدي المسلمين جبراً، أو شق طرق كبيرة أو ثكنات عسكرية دون أي تعويض، ومن يرفض فمصيره الموت في المعتقلات الفاشية التي لا تعرف الرحمة، ويُعدّ الطرد الجماعي المتكرر خارج الوطن لمسلمي بورما مأساة متكررة مثلما حصل في الأعوام التالية: عام 1962م عقب الانقلاب العسكري الفاشي حيث طرد أكثر من (300.000) مسلم إلى بنغلاديش. وفي عام 1978م طرد أكثر من (500.000) أي نصف مليون مسلم، في أوضاع قاسية جداً، مات منهم قرابة (40.000) من الشيوخ والنساء والأطفال حسب إحصائية وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. وفي عام 1988م، تم طرد أكثر من (150.000) مسلم، بسبب بناء القرى النموذجية للبوذيين في محاولة للتغيير الديموغرافي. وفي عام 1991م طُرِد قرابة (500.000) أي نصف مليون مسلم، وذلك عقب إلغاء نتائج الانتخابات العامة التي فازت فيها المعارضة بأغلبية ساحقة انتقاماً من المسلمين؛ لأنهم صوتوا مع عامة أهل البلاد لصالح الحزب الوطني الديمقراطي (NLD) المعارض.
وتسعى السلطات البوذية دائماً لإلغاء حق المواطنة من المسلمين؛ إذ تم استبدال إثباتاتهم الرسمية القديمة ببطاقات تفيد أنهم ليسوا مواطنين، ومن يرفض فمصيره الموت في المعتقلات وتحت التعذيب أو الهروب خارج البلاد، وهو المطلوب أصلاً.
كما يعاني مسلمو بورما من العمل القسري لدى الجيش أثناء التنقلات أو بناء ثكنات عسكرية أو شق طرق وغير ذلك من الأعمال الحكومية.

الحرمان من التعليم
كما يتم حرمان أبناء المسلمين من مواصلة التعلُّم في الكليات والجامعات، ومن يذهب للخارج يُطوى قيده من سجلات القرية، ومن ثم يُعتقل عند عودته، ويُرمى به في غياهب السجون.
ولا يقتصر الأمر عند ذلك، بل يتم فرض عقوبات اقتصادية على مسلمي بورما، مثل الضرائب الباهظة في كل شيء، والغرامات المالية، ومنع بيع المحاصيل إلاّ للعسكر أو من يمثلهم بسعر زهيد لإبقائهم فقراء، أو لإجبارهم على ترك الديار.
وهذا يبين لنا بجلاء المخطط البوذي البورمي لإخلاء إقليم أراكان من المسلمين بطردهم منه أو إفقارهم وإبقائهم ضعفاء لا حيلة لهم ولا قوة، ولاستخدامهم كعبيد وخدم لهم، حيث إنهم لم يُدْعَوْا لحضور المؤتمر العام، لذلك يطالب مسلمو بورما بالمساواة في الحقوق العامة كغيرهم من المواطنين، والحصول على التمثيل المناسب في البرلمان والحكومات المحلية وغير ذلك، بالإضافة إلى تنفيذ رغبة الشعب الأراكاني في تطبيق الشريعة الإسلامية على الإقليم، لكونهم الأغلبية في الإقليم، والإعداد لهذه المرحلة من الناحية الشرعية والدستورية، وتتبعها مراحل أخرى حتى الحصول على الاستقلال الكامل

 

المصدر : الإسلام اليوم


المصدر: وكالة أنباء الروهنجيا
https://www.rna-press.com/