الأحد 14 محرم 1446 هـ | 21/07/2024 م - 01:02 مساءً - بتوقيت مكة المكرمة

تاريخ موجز


مسلمو أراكان .. بين ماضي مظلم ومستقبل مجهول
الجمعة | 19/10/2012 - 11:52 مساءً

أحمد عثمان - القاهرة

لعله من المثير للحزن والأسى أن تتشابه ثلاثة مآسي إسلامية كبرى مع بعضها في الظروف والتواريخ والمذابح والتشريد، ولا يحتاج القارئ لكثير من الفطنة حتى يكشف أن مآسي المسلمين في فلسطين وكشمير وبورما وقعت بين عامين 47/ 48 ففي العام نفسه الذي احتل فيه الصهاينة فلسطين رفضت الهند الانصياع لقرارات الشرعية الدولية، ورفضت الانسحاب من إقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة، وفي المدة نفسها تقريبا حصلت بورما على استقلالها عن الاحتلال البريطاني الذي شاء القدر أن يكون له دور في المآسي الثلاث حيث انسحب البريطانيون من بورما لتبدأ حلقة جديدة في تشريد وتصفية شعب أراكان المسلم هناك.

وقبل أن ندخل في التفاصيل علينا أن نذكر أن دولة ميانمار -بورما سابقا- تقع في الجنوب الشرقي لقارة أسيا تحدها من الشمال الصين والهند، ومن الجنوب   تايلاند، ومن الشرق الصين ولاوس، ومن الغرب بنغلاديش، ويقع إقليم أراكان في الجنوب الغربي لبورما على ساحل خليج البنغال والشريط الحدودي مع بنغلاديش، وتبلغ مساحة الإقليم حوالي خمسين ألف كيلومتر مربع أي عشر مساحة بورما تقريبا، ويبلغ عدد سكان بورما أكثر من خمسين مليون نسمة ويقدر نسبة المسلمين 15 % من  جموع السكان بما يقرب من 12 مليون نسمة نصفهم في إقليم أراكان ذي الأغلبية المسلمة الذي تصل نسبة المسلمين منها أكثر من 70 % والباقون من  البوذيين الماغ وطوائف أخرى.

ولا تختلف أوضاع المسلمين في أركان سوءا عن باقي أوضاع مسلمي بورما، ويتكون اتحاد بورما من عرقيات كثيرة جدا تصل إلى أكثر من 140 عرق، أهلها البورمان وهي الطائفة المسيطرة على الحكم ويليهم المسلمون الذين يعرفون بلروهنغا إذ هم الطائفة الأكبر بعد البورمان وبعدهم البوذيون الماغ الذين يمثلون أقلية في مناطق أراكان، مقابل الأغلبية المسلمة.

ويذكر المؤرخون أن الإسلام قد وصل بورما في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد عن طريق التجار العرب والمسلمين الذين تلتهم وفود إسلامية عديدة أسهمت في اعتناق مئات الآلاف من موطني أراكان للإسلام وكون شعب الروهنجيا مملكة دام حكمها 350 عاما 1430 إلى عام 1784م وشكلت أول دولة إسلامية عام 1430 حكمها الملك سليمان شاه حكم بعده 48 ملكا مسلما على التوالي حتى قام البورمان البوزيون باحتلالها عام 1834 وبعدها سيطر البريطانيون على أركان وجميع عموم بورما حتى عام 1948 الذي شهد عودة البورمان لاحتلال أراكان.

حقوق الأقليات:
وقبل استقلال بورما عن بريطانيا بثلاث أعوام طالبت حكومة العمال البريطانية الجنرال سان أنج بتأمين حقوق الأقليات إذا أراد الحصول على استقلال بلاده وعقد الجنرال مؤتمرا في ولاية بانجلويج، ودعا إليه كافة القوميات في بورما عدا الروهنجيا وأعطى الجنرال تعهدا خلال المؤتمر بتلبية متطلبات كل الأقليات في بورما ما عدا المسلمين وتودد البورمان إلى البوذيين الماغ وتوصل معهم إلى هياكل دستورية تمنحهم حقوقا في مقابل عدم طرح حقوق مسلمي أركان على طاولة المفوضات.
ولم يكتف الماغ بذلك بل إنهم شنوا مع البورمان حرب إبادة ضد مسلمي أركان خصوصا بعد انسحاب القوات البريطانية وعقد أول انتخابات عامة استبعد منها الروهنجيا، وبقدر ما سعد المسلمون بانسحاب هذه القوات بقدر ما كان هذا الانسحاب باباً لمشكلات كبيرة ضدهم حيث وقعوا بين شقي رحى لتحالف عنصري البورمان والماغ أسفر عن إبادة 100 ألف مسلم بورمي وتم حرمان المسلمين من كافة حقوقهم السياسية والدينية والعقائدية وتحولوا إلى مجرد  عبيد عبر تطبيق حزمة من القوانين العنصرية ضدهم على رأسها قانون التميز باعتبارهم غرباء ومهجرين من بنجلاديش ومنحدرين من جماعات إسلامية غير معروفة ويجب إبادتهم بأي وسيلة حيث لم يسمح لهم بتكوين أي أحزاب سياسية أو تدخل في الشؤون العامة للدولة، وحرمانهم من التسجيل في قوائم الناخبين والتصويت، ناهيك عن وجود حظر دائم على التحاقهم بالجيش أو الوظائف العليا في الدولة مهما كانت درجة أهميتهم.

تطهير عرقي:
ومارست السلطات هناك ضدهم أبشع صور التطهير العرقي يشبه كثيرا ما حدث في البوسنة والهرسك مما أجبر أكثر من 1.2 مليون مسلم على الفرار من بيوتهم ليعيشوا لاجئين في بنجلاديش والهند وباكستان والسعودية ودول الخليج خصوصا بعد حملة الإبادة الرابعة التي شنها العسكر الشيوعيون بعد انتخابات 1991 التي فازت بها المعارضة قبل أن تقوم الحكومة بإلغائها وهو ما عرض النظام الحاكم لعقوبات اقتصادية وسياسية من جانب المجتمع الدولي غير أن هذه العقوبات لم تفلح في تغيير وجهة النظام إذ واصل اعتقال زعيمة المعارضة اونج سان سوكي وواصل عصفه بمصلحي أراكان رغم الانتقادات الشديدة من جانب الأمم المتحدة التي طرحت خطة أطلق عليها خريطة الطريق لإعادة الديمقراطية إلى ميانمار وإعطاء الأقلية المسلمة حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وواكب هذه الخطة التهديدات بفرض عقوبات اقتصادية على بورما كان آخرها مبعوث الأمم المتحدة الخاص ببورما على إسماعيل بتشديد العقوبات الاقتصادية على البلاد لكن هذا الأمر لم يغير من الأوضاع شيئا وواصل النظام حملات الإبادة على مسلمي الروهنجيا.

ولم تكتف السلطات العسكرية الشيوعية هناك بأساليب الإبادة والتهجير وحملات الاعتقال والتعذيب، بل إنها سعت سعيا حثيثا لتذويب هوية مسلمي بورما بحظر جميع أنشطة الدعوة الإسلامية وإغلاق كافة المساجد في جميع بقاع بورما بما فيها كامل مدن أركان، وكذلك تم هدم وحرق أحد المساجد الأثرية بمدينة مونجدناو وتحويلها إلى مستودعات وثكنات عسكرية ومتنزهات عامة ومصادرة الأراضي والعقارات الخاصة بالأوقاف الإسلامية وتوزيعها على الماغ، ومنع أي ترميم للمساجد حتى لو كانت مهددة بالانهيار على رؤوس المصلين.
وأجبرت السلطات هناك المشايخ على إنشاء الطرق ومعسكرات العمل الجماعي والمزارع التي تملكها الدولة ومعسكرات الجيش، وتم تحريض أصحاب الديانات الأخرى على مقاطعة المسلمين وعدم التعاون معهم وإلا تعرضوا لحملات إبادة متشابهة لما تعرض لها المسلمون.
وتعد هذه السياسية استراتجية لكل الساسة البورمان منذ الاستقلال حتى ساعة كتابة هذه التقرير.

معسكرات سخرة:

وبلغت حدة الإجراءات العنصرية بمنع مسلمي أركان من التنقل خارج الإقليم  إذ يعد السفر للعاصمة رانجون أو أي مدينة أخرى جريمة يعاقب عليها القانون الشيء نفسه ينطبق على عاصمة الإقليم والميناء الوحيد منه مدينة إكياب ويمنعون التنقل من عربة إلى أخرى إلا بعد الحصول على تصريح بل وتتجاوز السلطات العسكرية الشيوعية جميع الاعتبارات الاجتماعية بمنع المسلمين من استضافة إخوتهم وإعادتهم في بيوتهم حتى لو كانوا أشقاء أو أقارب إلا بإذن مسبق، أما المبيت فيمنع منعا باتا وتعد جريمة كبرى وربما يعاقب من تجرأ على ذلك بهدم منزله أو اعتقاله أو طرده من البلاد هو وأسرته.

ووصلت جرائم العسكر الحمر إلى شن حملة إبادة غير مباشرة ضد مسلمي بورما لمنع تنامي أعدادهم عبر إعطاء حقن مانعة للحمل لنساء المسلمات في حالات كثيرة ورفع سن الزواج للفتيات لسن 25 عاما ومنع عقود النكاح إلا بعد إجراءات طويلة وإذن من السلطات ومنع التعدد منعا باتا مهما كان السبب ومنع الزواج مرة أخرى للمطلق أو الأرمل إلا بعد مرور سنة، وإجراءات طويلة ومن يخالف ذلك يعرض نفسه للسجن والغرامات الباهظة أو الطرد من البلد والهدف من كل ذلك هو القضاء عليهم أو تقليل أعدادهم.



استيطان:
ويتبنى العسكر النموذج الصهيوني في هدم منازل المسلمين وطردهم من أراضيهم وتوطين البوذيين الماغ فيها عبر مشروع القرى النموذجية التي أنشأها المسلمون وشقوا طرقها حتى تكون جاهزة لتوطين أسر الريكهاين البوذيين على الاستقرار في هذه المناطق مما يحول سكانها الأصليين من المسلمين إلى لاجئين بلا مأوى يعيشون حياة الذل والهوان في البلاد المجاورة التي هاجرو إليها.
وعلى الصعيد الاقتصادي فمأساة شعب الروهنجيا المسلم مستمرة منذ عقود طويلة حتى الآن فالأغلبية العظمى منهم يحترفون الزراعة ونسبة قليلة منهم تعيش على التجارة ورغم ذلك يتعرضون لمضايقات جمة تشن عليهم  بين الحين والأخر حملات مصادرة وسلب لممتلكاتهم وتوزيعها على البوذيين الماغ وكان آخر ما حدث بداية هذا العام من مصادرة مئات المزارع التابعة لمواطنين مسلمين وكذلك معامل الملح التي يملكها الروهنجيا الذين ترفض الدولة تقديم أي حوافز لهم لزراعة أراضيهم وتجبرهم على توريد منتجاتهم بأسعار بخسة مما يؤدي إلى تدني أوضاعهم الاقتصادية لإبقائهم فقراء وإجبارهم على ترك ديارهم.
المصدر: مجلة الفرقان


التعليـــقات
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الوكالة وإنما تعبر عن رأي أصحابها

ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث