الجمعة 17 ذو الحجة 1441 هـ | 07/08/2020 م - 01:00 صباحاً - بتوقيت مكة المكرمة

موجز تاريخ


استراتيجيات متروكة في أزمة الروهنجيا وأرضهم أراكان
السبت | 29/02/2020 - 11:34 مساءً

وكالة أنباء الروهنجيا ـ خاص

استراتيجيات متروكة في أزمة الروهنجيا وأرضهم أراكان

بقلم أنس أبو العالم الشوحي ـ باحث روهنجي

الأزمة الروهنجية جذورها قديمة تعود إلى أكثر من مائة عام من الآن، وقد بدأت منذ احتلال بودا بيا لأراكان – الدولة المسلمة المستقلة - في عام 1784م  وضمها إلى دولة بورما، ولم يكن وقتها دولة إسلامية في بنغلادش، وانتهت أراكان من أيدي نواب سراج الدولة منذ سنة 1757م، وبدأ الظلم على مسلمي أراكان من ذلك الوقت، ونتيجة لهذا الاحتلال غادر مئات من الأسر بيوتهم واستوطنوا منطقة غير عامرة تسمى تيكناف التي لم يكن فيها حياة إنسانية من قبل، ومن سنة 1798م هاجر كثير من المسلمين من أراكان إلى شيتاغونج بسبب مظالم البورميين، فسكنوا في سوق سحمي بعد ذلك سوق كاكس باسم كابتن كاكس الذي كان أرسله الإنجليز إلى جنوب شيتاغونج لتوطينهم (1)، وتم تحويل أراكان بعد الاحتلال إلى ولاية خامسة من ولايات ما يسمى بالجمهورية الاشتراكية لولايات بورما المتحدة(2).
وقويت الأزمة بعد ذلك حتى بلغت ذروتها حين اتهمت الحكومة البورمية ظلما الروهنجيا بأنهم دخلاء، وسحبت جنسياتهم، وفصلتهم من الوظائف الحكومية، ومنعتهم من مزاولة أي نشاط تجاري، وتعدت على قراهم ومزارعهم بالسلب والنهب والحرق، وحاصرتهم حصارا خانقا في بيوتهم في أراكان، وتوالت المجازر بحقهم والانتهاكات الغاشمة في أعراضهم وحقوقهم ولم يسلم من يد البطش النساء والشيوخ والأطفال!!
ثم تتابعت هجراتهم منها إلى بلاد الله الواسعة خارج أراكان خاصة بعد المجزرة الكبرى في عام 1942م، ولكن الذي يثير العجب أن أحدا لم يستغل هذه الأزمة رغم وجود مغريات جذابة، وتعتبر منطقة أراكان استراتيجية من الدرجة الأولى، ولعل الله له حكم لا ندركها في عدم استغلالها من قبل أحد.
وتتمثل استراتيجيتها الحقيقية في نظري فيما يأتي:
أولا: أن القوى الغربية في تنافس شديد مع الصين وتريد حصارها وانكماشها داخل الخريطة الخاصة بدولتها؛ لأنها بدأت تخرج عبر الاقتصاد وتغزو العالم غزوا ناعما، ويتعاظم بذلك قوتها الاقتصادية التي تتيح لها التغلب على الغرب الرأس المالي من عدة نواحي:
1-  كسب الحلفاء.
2-  بناء أرضية للتنقل الحر بين العالم.
3-  تمرير الصفقات التجارية والعسكرية.
4- كسب أوراق ضغط واستخدامها ضد الغرب في المستقبل.
5-  تضخيم نفسها عالميا كقوة تفرض نفسها لانتزاع قيادة العالم من أمريكا وزعامة الأمم المتحدة.
والمال هو الذي يصنع السلاح ولذلك تنامي القوة العسكرية مرتبط دائما بالاقتصاد، والدولة التي تدخل في حروب لا تخرج إلا خاسرة؛ لأن اقتصادها حتما سيتأثر بشكل كبير، وسبب انكماش أمريكا مؤخرا هو دخولها في حروب عبثية لم تجن منها غير الخسارة سواء في فيتام أو في أفغانستان أو في العراق أوفي غيرها.
ولذلك كانت الأزمة في صالح الغربيين فلو سبقوا إلى استغلالها لاستطاعوا أن يغلقوا الطريق البري الوحيد للصين إلى العالم، ولكن ذلك يتطلب حربا بالوكالة، والعودة إلى الحرب الباردة، وتنازلها عن الفوائد المجنية من الاتفاقيات مع الصين، وتحمل الخسائر الباهظة جراء ذلك، والصمود أمام ردة الفعل الصيني المتوقعة والتي ستكون سريعة وبحجم كبير وهائل!! وأعتقد أن مثل تلك التقديرات جعلت الغرب تتخلى عن الروهنجيا وتميل إلى حل الأزمة بطريقة باردة عبر القوانين الدولية الباهتة في حق المسلمين.
والرأي الذي يعتقد أن الغرب تخلى عن الروهنجيا لوجود البديل وهو الأيغور فهو رأي خاطئ في نظري لأسباب:
أولا: أنهم محاصرون داخل حدود الصين، بل في المعتقلات الجماعية لحكومة الصين.
ثانيا: ليس لهم جار مسلم يقف معهم من الدول الحدودية.
ثالثا: هم لا يملكون نقاط قوة استراتيجية لمواجهة الصين مثل التي يملكها الروهنجيا.  ولهذه الأسباب أستبعد أن الغرب تساهلوا في استغلال أزمة الروهنجيا بسبب البديل الأيغوري!!

ثانيا: أن منطقة الروهنجيا وهي أراكان منطقة غنية بالفعل تجعلها في عين المطامع الدولية، ومؤهلة لأن تكون موطن صراع للقوى العالمية الكبرى، وكسب الأزمة سيكون حتما في صالح من يناصر الروهنجيا حتى يسيطر على ثاني أكبر حقل للغاز في العالم، وحقول النفط والياقوت والمعادن الأخرى فضلا عن الاستفادة من أشجار الغابات النفيسة والزراعة وغيرها، لكن الكرة مازالت إلى الآن في ملعب المارد الصيني.
ثالثا: أن الأزمة استراتيجية جدا بالنسبة للدول الإسلامية في جنوب شرق آسيا لترجيح كفة القوة لصالحها أمام الأعداء، وذلك ببناء حلقات وصل بينها، وربط باكستان -القوة النووية المسلمة الوحيدة-بجيرانها المسلمين مرورا ببنغلادش وأندونيسيا حتى ماليزيا؛ لأن أراكان تعتبر حاليا الحلقة المفقودة التي باعدت ذلك، وقبل الأزمة لم تكن لهم تلك الفرصة سانحة!! 
رابعا: أن منطقة أراكان تقع على ساحل البحر الذي تمر من قربه معظم السفن التجارية، ولو استطاعت دولة وضع ميناء على البحر لاستطاعت بذلك من خلال جمركها احتواء معظم التجارات التي تذهب إلى الصين، ولا يمكن ذلك إلا من خلال استغلال أزمة الروهنجيا، وإخراج الصين من اللعبة، وهذه الاستراتيجية لا تغيب عن عقول الدول الغنية، لكنها تحجم تاركة المجال للصين القوية(3) ، وهي الأخرى تتجانف عن ذلك لأسباب سياسية. 
ومن الجدير بالذكر في هذا الموضوع أن الروهنجيا أمة وفية لن تنسى أبدا الدولة التي تقدم لها الدعم وتناصرها، وكسبها غنيمة لا تقل قيمة عن أرضها أراكان!!
ومازالت هذه الاستراتيجيات مطروحة على قارعة الأيام تنتظر من يستثمرها استثمارا حقيقيا، وأتمنى أن يصب هذا الاستثمار في صالح الروهنجيين حتى يزول عنهم البؤس وتنتهي المأساة ويعود المهاجرون إلى ديارهم ليعانقوا السلام والدعة والأمان!!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجلة التضامن العدد الثامن جمادى الأولى 1416ص (2).

(2) مأساة إخواننا المسلمين في بورما ص(8).

(3) المحاولات مازالت قائمة على قدم وساق لإبعاد الصين عن بورما من قبل الغرب عبر دعم حزب سوتشي الديمقراطي وعبر التدخل الأممي من بوابة القوانين الدولية.


التعليـــقات
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الوكالة وإنما تعبر عن رأي أصحابها

ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث