الجمعة 28 جمادي الاول 1441 هـ | 24/01/2020 م - 10:17 صباحاً - بتوقيت مكة المكرمة


سوتشي واضطهاد الروهينغا بين الإنكار والاعتراف
الثلاثاء | 17/12/2019 - 09:06 صباحاً
سوتشي واضطهاد الروهينغا بين الإنكار والاعتراف

وكالة أنباء الروهنجيا ـ أخبار ليبيا

أما وقد وصلت مستشارة الدولة البورمية، أونغ سان سو تشي، إلى لاهاي، للمثول أمام محكمة العدل الدولية في قضية جريمة الإبادة الجماعية التي تُتَّهم الحكومة البورمية باقترافها بحق أقلية الروهينغا في إقليم أراكان ذي الغالبية المسلمة، فإن النضال من أجل محاسبتها يكون قد حقق مُراده. وليس هذا هو المهم في الأمر فحسب؛ إذ يشكّل مثولها قطعاً مع إنكارها المستمر الجريمة، كما يشكِّل صفعةً للمجتمع الدولي الذي يتعامل مع مجرمةٍ ساهمت باقتراف جرائم بحق الإنسانية معاملة الند، متعامياً عن مذابح جيش بلادها بحق تلك الأقلية. كما إنه صفعة لهيئة دولية، تحاول تصنيف نفسها بين الهيئات المحترمة، الأكاديمية الملكية السويدية، حين لم تسحب من سو تشي جائزة نوبل للسلام، والتي استحقتها لدعمها النضال اللاعنفي ضد الدكتاتورية التي حكمت بلادها نهاية القرن الماضي.

لم تأتِ سو تشي إلى لاهاي لتعترف بالجرائم المنسوبة إليها، بل لتقول إن المذابح التي اقترفها جيش بورما (ميانمار) بحق أقلية الروهينغا، سنوات، لم تكن سوى "مخالفاتٍ فرديةٍ". كما أنها لم تأتِ لتعتذر عن تلك الجرائم، بل لتخبر المجتمع الدولي أن حكومة بلادها هي المخوَّل الوحيد بمحاسبة المرتكبين ومعاقبتهم، وليس أي جهة خارجية. ولكنها بمرافعتها أمام لجنة قضاة الأمم المتحدة الستة عشر الذين يشكلون المحكمة، في 10 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، تكون قد أقرَّت بارتكاب جيشها المذابح بحق أقلية شعب الروهينغا، على الرغم من قولها إن "مخالفاتٍ فرديةٍ" تقف وراء تلك المذابح.


علاوة على ذلك، تدين سو تشي نفسها، وتدين حكومتها أيضاً، لسكوتها عن تلك الجرائم التي لم تقع في ليلة أو ليلتين، بل تستمر منذ سنة 1982، حين سُحبت منهم جنسيتهم البورمية.

وليس من المعقول أن سو تشي ليست على درايةٍ بأن اضطهاد هذه الأقلية يتواصل منذ ذلك الحين، فقد عرف العالم أجمع أن الروهينغا ضحية حملة تطهيرٍ عرقيٍّ من أجل دفعها إلى مغادرة البلاد.

وتحدّثت تقارير المنظمات الدولية عن معاناة أفرادها من كل أشكال القمع، بدءاً من الفصل العنصري والاعتقال وتقييد حرية التنقل والعمل والقتل العمد، مروراً بذبح الأطفال وحرق عددٍ منهم أحياء، وصولاً إلى حملات الاغتصاب الجماعي بحق نسائها.

كما حُرقت قراهم ودمّرت مساجدهم ومُنع من بقي في أرضه من زراعتها والاستفادة منها.

وشارك الجميع في ميانمار في هذه الجرائم؛ إذ اتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش قوات الجيش والأمن باقترافها، كما اتهمت رهبانا بوذيين بالمشاركة فيها، ودانت منع الحكومة وصول المساعدات الإنسانية إلى النازحين منهم. ومن المستحيل ألا تكون هذه المستشارة التي عملت مرةً لدى الأمم المتحدة قد اطلعت على تقريرٍ أصدرته هذه المنظمة سنة 2012، وصنَّف أقلية الروهينغا أنها: "الأقلية الأكثر تعرُّضاً للاضطهاد في العالم".


وعلى الرغم من اعترافها غير المباشر بالجريمة، حين أقرّت أمام محكمة العدل الدولية بأن الجيش البورمي "ربما لجأ إلى استخدام غير متناسب للقوة" في تعامله مع المدنيين من الروهينغا، إلا أن سو تشي وصفت الشكوى التي تقدمت بها غامبيا بأنها رسمَت صورةً منقوصةً ومضللةً عن الوضع الحقيقي في إقليم أراكان، فهي بذلك تريد الاستمرار بسياسة إنكار جريمة الإبادة الجماعية. وتعتبر الشكوى التي رفعتها غامبيا لمحكمة العدل الدولية، بتكليفٍ من الدول أعضاء منظمة التعاون الإسلامي، أن الحكومة البورمية انتهكت الاتفاقية الدولية لمنع جريمة الإبادة الجماعية، وفي إقرار سو تشي بالاستخدام غير المتناسب للقوة إقرار بذلك الانتهاك، بل ربما بتورُّطها فيه، فهي لم تمنع الجيش من تغيير سياسته تجاه الروهينغا، ولم تحاسب مرتكبي ما تقول إنها "مخالفاتٍ فرديةٍ" أدت إلى قتل عشرة آلاف شخص ونزوح أكثر من 700 ألف خارج البلاد ولجوئهم إلى بنغلاديش. كما أن الحكومة التي تترأسها عرقلت وصول المساعدات الإنسانية إلى النازحين منهم، وهو فعلٌ قد يتسبب بإبادة الآلاف من الجياع في خيامهم.

إن كانت شكوى غامبيا رسمت صورةً منقوصةً ومضللةً، كما تقول سو تشي، فما قولها في الدعوات الدولية إلى فرض عقوبات على جنرالات جيشها، وخصوصاً العقوبات الإضافية التي فرضتها الولايات المتحدة الأميركية، عشية مداولات المحكمة، على أربعةٍ من قادة الجيش البورمي، بينهم رئيس الأركان الذي أدرجته على قائمة سوداء، بسبب عمليات القتل الموصوفة التي قام بها الجيش؟ وما قولها في تعليق حساب رئيس الأركان على "تويتر" بسبب خطاب الكراهية ضد مسلمي الروهينغا الذي لمسته إدارة "تويتر" في تغريداته، وهو تعليق يأتي بعد إغلاق حسابه على "فيسبوك"، السنة الماضية، للسبب عينه؟ وما قولها في مقالة صحيفة الإندبندينت البريطانية قبل أيامٍ، والتي أفادت كاتبتها بأن اغتصاب نساء الروهينغا الجماعي ليس عملاً فردياً، بل تكتيك واستراتيجية يتبعها الجيش لطرد السكان؟ وما قولها في دعوة لجنة التحقيق في الجرائم بحق الروهينغا، التابعة للأمم المتحدة، في أغسطس/ آب الماضي، زعماء العالم إلى فرض عقوباتٍ على الشركات التي تتعامل مع جيش ميانمار، ودعوتها إلى عزل هذا الجيش اقتصادياً؟ بل ما قولها في الحملات الدولية التي انتشرت بين المثقفين والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وطالبت بسحب جائزة نوبل للسلام منها بسبب سكوتها عن تلك الجرائم؟


لا يبدو من عناد المستشارة البورمية، خلال جلسات التداول في محكمة العدل الدولية، ومن سياسة الإنكار التي تواصل التمسّك بها، أنها تعير الاتهامات أي أهمية. كما لا يبدو أنها تهتم بمحو العار الذي لحق بجيش بلادها بسبب المذابح التي ارتكبها، حين نفت التهمة عن جنرالاته. والخطورة أن مواقفها تلك تعني مُضيِّها بالسماح لجيشها باقتراف مزيد من الجرائم. من هنا تأتي أهمية الاستمرار بالضغط الشعبي والمؤسساتي لوقف هذه الإبادة، أولاً، ثم الالتفات إلى سَوقِ المجرمين إلى المحكمة الدولية لينالوا الجزاء، ثانياً، كيلا تبقى جرائم من هذا القبيل خارج إطار المحاسبة.


التعليـــقات
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الوكالة وإنما تعبر عن رأي أصحابها

ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث