الإثنين 1 ربيع الأول 1439 هـ | 20/11/2017 م - 03:48 صباحاً - بتوقيت مكة المكرمة


قيامة أراكان
الخميس | 14/09/2017 - 01:25 صباحاً
قيامة أراكان

وكالة أنباء الروهنجيا ـ خاص

بقلم علي السبحاني

ذات ليلة عدت إلى كوخي وألقيت عن نفسي عناء الجهد الذي بذلته طوال اليوم. وضعت رأسي على مخدتي وصرت أتقلب على فراشي، وأصبحت أشعر بشعور غريب وجفاني النوم، ولم تمض ساعات بعد الرقود إلا وأسمع صيحات الناس وضجيجهم، وطلقات الرصاص!

قمت فزعًا من الفراش وخرجت من كوخي لأعرف ما الخطب؟ وماذا حل بنا وبقريتنا؟

يا الله، إنهم وحوش البوذيين، أغاروا علينا بعُدتهم وعتادهم، وجيشهم ومليشياتهم، وهذه نيران منتشرة في الأرجاء تلتهم البيوت والأكواخ والمزارع والدواجن!

ركضت إلى كوخ جيراني الذي يحترق فلم أجد أحدًا! إنهم قد غادروا وفروا بأرواحهم!
يا الله، أين أنا؟ هل أنا في أرض المحشر الذي وعدتنا به؟ لا أجد أحدًا هنا يلتفت للآخر، كل شخص مشغول بنفسه وأهله وعياله.

تقدمت قليلًا ودخلت إلى كوخ صديقي لأبحث عنه، ويا ليتني لم أدخل. قد رأيته يسبح في دمائه، ورأسه مفصول عن جسده، قتله البوذيون وذبحوه وقطعوه! اللهم رحمتك.

أدركت حينها أنني في هول وكرب عظيم، وأن هذا اليوم إن لم يكن يوم القيامة فهو يوم شبيه به، وصورة مصغرة عنه.
أصبحت أتنقل من مكان إلى مكان والبوذيون يطاردونني، وأرى الجثث منتشرة في الطرقات والشوارع، وأرى النساء والأمهات يصرخن ويبكين، والبوذيين يسحبون منهن أطفالهن ويذبحونهم، ويعذبونهن ويغتصبونهن، ويقتلون بعضهن ويتركون بعضهن الآخر؛ ليذوق مزيدًا من العذاب والتنكيل!

يا الله، إننا في خطر جسيم إن لم تنقذنا! أنقذنا يا رب من شر هذه الوحوش الضارية من البوذيين.
يا الله، ماذا فعلنا وما الذي ارتكبنا من الذنوب، لماذا حلت بنا هذه المصيبة ودهمتنا هذه الفاجعة؟

رأيت الأمر يزداد سوءًا، والنيران تلتهم مزيدًا من البيوت والمزارع، فاتجهت نحو كوخي لأتفقد حاله وحال أهلي. عُدت وأنا منهك، وتعرضت في الطريق لمطاردات ومخاطر، لكن الله أنقذني وسلمني.

عندما رأيت كوخي حمدت الله وشكرته على أن حماه من النيران وشر البوذيين، لكن المفاجأة حينما دخلت الكوخ لم أجد أحدًا، لم أجد أبي ولا أمي، ولا إخواني ولا أخواتي!
يا الله، أين غادروا؟ وأين ذهبوا؟ هل قتلهم البوذيون؟ أم فروا من جحيمهم كما يفر الجميع؟

أصبحت وحيدًا تائهًا مشردًا لا أهل لي ولا صديق، والناس في ضجيج وصراخ يستغيثون الله ويذهبون يمنة ويسرة بحثًا عن ملجأ آمن يحتمون فيه من النيران وأنياب البوذيين.

كنت أحلم بأن حالنا ستكون أحسن من سابقتها بعد أن فازت العجوز سو تشي وحزبها بالحكم، لكني أدركت الآن أننا خدعنا بها، وأننا في الحقيقة كنا في كمينها وكمين البوذيين وشرَكهم؛ ليصطادونا في مثل هذا اليوم!

خرجت من كوخي هائمًا باكيًا والدموع تسيل من عيني. أتأمل في وضع قريتي وفي بلادي أراكان، إنها قبل اليوم كانت جنة خضراء، تغسلها الأمطار يوميًا، وتزينها الزهور والورود والمزارع المنتشرة، يسرح الأطفال في بساطها الأخضر ويتضاحكون ويلعبون، ونتسامر في حقولها ونتجاذب أطراف الحديث تحت ظلال الأشجار الكثيفة، والطيور تغرد على أغصانها وتزقزق، وكان ينسينا ذلك متاعب الحياة ومشاقها، وما نتعرض له بين فترة وأخرى من مضايقة البوذيين واضطهادهم لنا وتعذيبهم لرجالنا وشبابنا ونسائنا وأطفالنا، وضربهم وقتل بعضهم، ومضايقة تجارنا ونهب ثرواتهم ومصادرة ممتلكاتهم، إضافة إلى حرماننا جميعَ الحقوق الإنسانية والوطنية والتعليمية؛ رغم كل ذلك كنا نصبر وننسى الأحزان بتسلية بعضنا واكتفائنا بما كتبه الله لنا وما قدره، ونتخيل أننا في نعيم رغم كل تلك الاضطهادات، لكن الوضع الآن أصبح متغيرًا جدًا!

في لحظة تحولت أكواخنا وبيوتنا وبلادنا إلى حجيم، وألسنة النيران تأكل فيها الأخضر واليابس، والحيوان والشجر والبشر. والناس في هول وكرب، وفر وهروب، وصراخ وعويل!

ترك الناس ديارهم وقراهم من هول ما رأوا، ولاذوا بالغابات الموحشة، وتسللوا المرتفعات والجبال، واتجهوا إلى البحار والأنهار ليعبروا الحدود ويصلوا الدولة المجاورة بنغلاديش.

لاحقهم البوذيون في طريقهم، وقتلوا منهم من قتل رمًيا بالرصاص، أو ذبحًا بالساطور والسكين، ومن قتلوه لم يكتفوا بقتله، بل يقتلونه، ثم يصبون عليه الزيت ويحرقونه، وقد يحرقون الناس وهم أحياء!

أصبح الناس مشتتين؛ بعضهم في الجبال، وآخرون في الغابات، وآخرون غادروا البلاد ووصلوا بنغلاديش.
وكثير من الذين عبروا الحدود مشيًا تعرضوا لمخاطر الألغام التي زرعها البوذيون في الطريق؛ فماتت منهم أنفس بعد تفجر الألغام من تحت أرجلهم، وأصيب آخرون بإصابات بالغة جدًا، كتمزق في الأيدي والأرجل وفي أجزاء الجسم!
هكذا أصبحت حالنا فجأة في أراكان يا ألله!

أنا فقدت جميع أهلي، وذاك فقد أباه، وآخر أمه، وآخر أخته، وذاك فقد أخاه!
أصبحنا في وضع مأساوي لا مثيل له؛ فقدنا الأكواخ والبيوت، وفقدنا الأراضي والمواشي، وفقدنا الأموال والممتلكات، وهربنا فقط بأرواحنا وأطفالنا ونسائنا!
الجرح يؤلمنا، والمرض يقتلنا، والجوع يهددنا وليس لنا إلا أنت يا رب.

منا من وجد ما يستره من الملابس، ومنا من أصبح كالعاري، يستر نفسه بأياديه وأوراق الشجر!
مأوانا العراء والغابات وبين الأشجار مع الزواحف والهوام، ولحافنا السماء والأغصان، وفراشنا الأرض والعشب والكلأ!
هذه حالنا الآن يا ألله!

يا الله، أين إخواننا في الدين والعقيدة، أين تلك التي تدعى الأمم المتحدة وجمعيات حقوق الإنسان؟ لماذا لا يلتفون إلينا ولا يشفقون علينا؟

إنهم -يا رب- قد نسونا، ولا يسمعون صوتنا وصراخنا من الألم والوجع. قد أنستهم الدنيا ومغرياتها، وأنساهم ترفهم ونعيمهم كلَّ شيء وشُغلوا بمصالحهم، ولم يعودوا يذْكروننا ولا يلتفتون إلينا.

يا الله، أصبحت الحياة في هذا الزمن حياة مادية، وأصبحت الرحمة رحمة المصالح والقوة والمال.
من لديه مصلحة يلقى الرحمة والدعم!
من لديه مال يلقى الرحمة والدعم!
من لديه قوة يلقى الرحمة والدعم!
والفقير أو الضعيف أو المعدوم ليس له أحد إلا أنت يا رحمن يا رحيم.

ملايين الدولارات تصل أمريكا بعد الإعصار الأخير؛ لأنها بلدة ذات مال ومصلحة وقوة، ولا تصلنا؛ لأننا لا نملك أي شيء من ذلك. تركنا كل شيء في أراكان، وفررنا فقط بأرواحنا وديننا وعقيدتنا وإيماننا بك يا ألله! فالطف بنا وارحمنا يا لطيف يا رحيم.


التعليـــقات
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الوكالة وإنما تعبر عن رأي أصحابها


ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث
تابعونا على فيسبوك