الأربعاء 12 محرم 1444 هـ | 10/08/2022 م - 08:48 مساءً - بتوقيت مكة المكرمة

تاريخ موجز


"الهروب من ميانمار".. قصص إبادة الروهينغا تحرّك محكمة لاهاي
الأربعاء | 27/07/2022 - 03:59 صباحاً

وكالة أنباء الروهنجيا ـ الجزيرة الوثائقية ـ قيس قاسم

رغم إقرار الأمم المتحدة حقيقة أن شعب الروهينغا المسلم هو من بين أكثر شعوب الأرض تعرضا للظلم والانتهاكات اللاإنسانية من قبل قادة الجيش الميانماري، فإن مرتكبي تلك الجرائم الفظيعة لم يقدَّموا بعد إلى المحاكم الدولية. ولهذا يعمل الناجون من الموت والموجودون في مخيمات اللاجئين في بنغلاديش على توثيق الجرائم، وذلك بتسجيل شهادات الضحايا الذين فرّوا من قراهم بعد تعرضها لإبادة شاملة في تسجيلات صوتية، حتى تكون جاهزة ضمن الملفات القانونية المقدمة للمحاكم الدولية، وحتى لا ينسى العالم في الوقت نفسه ما جرى لشعبهم.

الوثائقي السويدي "الهروب من ميانمار" (Flyten från Myanmar) يعمل بدوره على توثيق تلك الشهادات بالصوت والصورة، لتكون هي أيضا دليل إدانة على ما ارتكبه جيش ميانمار من جرائم.

"كوكس بازار".. نظرة عن قرب على قصص ضحايا الإبادة العرقية

من خلال المكوث الطويل للوثائقي في المكان، يطلع على الدور التضامني الرائع والعمل المشترك للاجئين المقيمين في مخيم "كوكس بازار" في جنوب بنغلاديش، والذي يُعد واحدا من أكبر مخيمات اللجوء في العالم. ومن مرافقته لسكانه تتضح الآثار النفسية السيئة التي ما زالت عالقة في دواخل الهاربين من الموت، حيث التذكير بتفاصيلها يُحيي أوجاعا تنغص عليهم عيشهم.

 

يجمع المخرج السويدي "نيما سارفيستاني" في فيلمه عدة مستويات من البحث السينمائي. وعبر مرافقته لبعض الشخصيات الرئيسية من سكان مخيم "كوكس بازار" في بنغلاديش؛ يعرض صورة صادقة عما تعرّض له الشعب الروهينغي المسلم من اضطهاد وقمع على يد جيش ميانمار، والتي تصنف قانونيا كجرائم "إبادة عرقية"، وأجبر الناجون منها على العبور إلى الضفة الثانية من النهر الفاصل بين وطنهم وبين بنغلاديش، ولا يزال مئات الآلاف منهم يعيشون في مخيمات اللجوء، وهو ما أوجب عليهم تنظيم شؤون حياتهم اليومية بأبسط الوسائل.

"شاهد عيان".. حكايات الناجين من الموت بأعجوبة

وجود الوثائقي منذ عام 2017 داخل المخيم أتاح له فرصة جيدة لتوثيق النشاط التعبوي والإعلامي الذي يقوم به صحفيون متطوعون يعملون في إذاعة محلية، إلى جانب انتباهه إلى سيادة الروح الجماعية والتضامنية بين سكانه، وهو ما يعكس بساطة وطيبة تلازمان سلوك الشعب الروهينغاني أينما حل.

يرافق صانع الفيلم صحفيّتان متطوعتان تعملان في إذاعة "صوت روهينغا"، وتقدم هاتان الصحفيتان في كل يوم ثلاثاء من الأسبوع برنامجا خاصا عنوانه "شاهد عيان". والإذاعة عبارة عن كوخ بُني من أعواد قصب البامبو، بسيطة التجهيز، حيث تستضيفان فيها خلال ساعات البث أشخاصا من سكنة المخيم يحكون أمام الميكرفون ما جرى لهم وما شاهدوه بأم أعينهم أثناء مهاجمة الجيش لقراهم، وكيف نجوا من الموت بأعجوبة.

مخيم "كوكس بازار" ببنغلاديش الذي يعتبر من بين أكبر مخيمات اللاجئين في العالم

 

هذه الشهادات تعد مدخلا لعرض حقائق مروعة عن الهجمات البربرية التي قام بها الجيش ضدهم، وكذلك ستأخذ المُشاهد إلى جوانب أخرى من الحياة داخل المخيم، وبهذا يتوفر لصانع الوثائقي المجال لينجز فيلما وثائقيا مختلفا، فقد ركزت الإذاعة على توثيق الشهادات الحية من دون التطرق إلى بقية الجوانب الحياتية اليومية في المخيمات التي قطنوها.

"آسية".. رحلة بحث عن طفلة فقدتها أمها أثناء عبور النهر

يعطي الوثائقي وقتا جيدا للعاملات في الإذاعة، ويسمع منهن عن الأهداف المرجوة من وراء تسجيل المقابلات صوتيا، حيث يؤكدن أنهن يهدفن من ورائها إلى توثيق كل ما جرى، وذلك عبر شهود عيان عاشوا التجربة بأنفسهم.

ويرسلون المحصلة بانتظام إلى مجموعة أخرى مقرها ماليزيا، حيث تنشط في جمع الأدلة المراد تقديمها إلى المحكمة الدولية، أملا في إقناعها برفع دعوى قضائية ضد المتسببين بإبادة شعبهم، وبالتالي تقديم الجناة أمام محكمة لاهاي الدولية لمحاسبتهم ونيل العقاب الذي يستحقونه جراء ما فعلوا.

ومن بين الشخصيات الرئيسية شاب اسمه "أسار"، حضر إلى الإذاعة وسجل شهادته التي ركز فيها على فقدان أخته "آسية" (7 سنوات) أثناء عبورها النهر مع والدته. يصف المشهد الذي قابل فيه والدته من دون أخته بـ"الصدمة"، فقد سمع منها كيف أنها كانت طيلة عبور النهر ممسكة بيد ابنتها، لكنها فجأة أُغمي عليها من التعب، وحين أفاقت رأت من بعيد رجلا ينتشل ابنتها من الماء ويأخذها معه إلى اليابسة.

من أقوى لحظات الوثائقي تلك التي تصور شهادات الأطفال على الأثير

 

سيظل السؤال العالق هو: هل كانت تلك الفتاة التي رأتها الأم من بعيد هي حقا ابنتها؟ وهذا السؤال يقود صانع الوثائقي لمرافقة "أسار" خلال بحثه الطويل عن أخته، والذي لم ينقطع طيلة عامين كاملين.

"شامية" و"حسيبة".. ناجيات حُفرت في أذهانهن صورة الموت

شهادات الناجين مؤلمة، وبشكل خاص النساء والأطفال. منها شهادة امرأة تدعى "شامية" تصف كيف دخل الجنود إلى قريتها وأخذوا بإشعال النار في بيوتها، فقد حاولت هي وزوجها الهرب إلى داخل الغابة، لكنه وقبل الوصول إليها بدأ الجنود المتربصون لهم هناك بإطلاق النار عليهما، وبعد إلقاء القبض عليهما أخذوا الزوج جانبا وقيّدوه إلى جانب 50 رجلا روهينغيا، وأخذ الجنود نساءهم وبناتهم وقاموا باغتصابهن أمام أعينهم.

أما قصة "حسيبة" فهي الأخرى تُقطّع القلب عند سماعها وهي تحكي تفاصيلها أمام ميكرفون الإذاعة، تقول "أوقَفوا 357 رجلا من رجال القرية، وقام الجيش قبل إطلاق النار عليهم بإشعال النار في بيوتهم، لقد منعوا خروج الأطفال والنساء منها، وحرقوهم فيها أحياء". هكذا تتذكر المرأة بحزن كل ما جرى أمامها ولن تنساه أبدا.

تتكرر الجلسات الصامتة والحزينة للعائلة حول الطعام بسبب غياب الأب والأخت الصغرى

 

أم منكوبة.. عندما تصبح النجاة لعنة

المثال القوي على مدى تأثير الأزمات النفسية على حالة الهاربين من بطش جيش ميانمار يتجسد بوالدة "أسار"، فبعد فقدانها لابنتها ومقتل زوجها لم تعد تطيق الحياة، فهي تمكث طيلة الوقت كئيبة وحزينة في المنزل، لا تشعر بلذة الطعام الذي تعده. تتذكر الأيام الجميلة التي كانت العائلة كلها تلتئم حول المائدة، أما اليوم فهي تفتقد الزوج والابنة الصغيرة، وتلح على ولدها بمواصلة البحث عن أخته.

يُشخص المساعدون الاجتماعيون حالة الكآبة الشديدة التي تعاني منها والدة "أسار"، وللتخفيف عنها يرتبون لها موعدا مع طبيب نفسي، فالأم لا تريد تصديق موت ابنتها، وأسار حتى يخفف من حزنها يتنقل مع صديق تعرف عليه يدعى ياسر من مخيم إلى آخر للسؤال عن طفلة صغيرة مفقودة اسمها آسية، وعلى أمل التعرف عليها يعرض أسار على من يسألهم في بيوتهم عنها صورة فوتوغرافية قديمة لها تآكلت لكثرة ما عرضها على الناس في أكثر من مخيم.

"أسار" خلال بحثه الطويل عن أخته، والذي لم ينقطع طيلة عامين كاملين

 

"أسار" و"ياسر".. حين تفرض عليك الإبادة أن تصبح معيلا

المرور على البيوت يأتي بقصص جديدة عن أطفال فُقدوا أثناء الهروب من جحيم الجيش، كل قصة منها تزيد من قناعة المُشاهد بأن ما فعله القادة والجنود لا يمكن أن يمر دون عقاب. شهادات الأطفال أمام ميكرفون الإذاعة لا تنقطع، وكلها تنقل فظاعات وأهوالا لا يمكن للإنسان الناضج تحملها، فما بالك بأطفال تعرضوا لتجارب شنيعة يحرص الناشطون في المخيم على توثيقها بدقة، والقيام بإرسالها إلى الجهة المعنية بتقديمها إلى المحكمة الدولية.

وفي انتظار ذلك يذهب الوثائقي ليصور جانب عيش آخر من المخيم، حيث يتعرف "أسار" على "ياسر" في المخيم، ويذهبان سوية للبحث عن عمل يعيلان به عائلتيهما. في إحدى المرات توفقا في الحصول على عمل كبائعي دواجن، حيث يحصلون من بيع كل كيلوغرام واحد من الدجاج حصة بسيطة يسدون بها بعض مستلزماتهم الحياتية.

في الأثناء يقرأ "أسار" إعلانا لمنظمة تابعة للأم المتحدة تدعو فيه الراغبين إلى الانضمام لدورة تدريبية سريعة لتأهيل معلمين من أبناء المخيم، فيسجل الشاب الطموح فيها، ويحصل على شهادة تؤهله للعمل في مجال طالما حلم به كما يخبر الوثائقي. وفي المدرسة يوثق الفيلم حضوره ويسجل في الوقت نفسه الدور الاجتماعي الاستثنائي الذي يلعبه المعلمون لتعليم أبناء المخيمات القراءة والكتابة وبقية العلوم.

"أسار" يشتغل كمعلم لأبناء اللاجئين وكمؤطر نفسي ينسيهم ويلات ما شاهدوه وعايشوه

 

ثمة جانب طبي آخر يحضر من خلال مراجعة الأم المتعبة نفسيا لطبيب نفسي من أبناء الروهينغا، حيث يساعدها بمصارحة ذكية عن احتمال موت ابنتها، وينصحها بعدم تصديق "المشعوذ" الذي تزوره في المخيم ويقول لها في كل مرة إن ابنتها سترجع إليها قريبا. يقنعها الطبيب بمعونة ابنها وصديقه بحقيقة أن طفلتها لن تعود وهي في مصاف المفقودين.

 

محكمة لاهاي.. حلم يقوده اللاجئون لمحاسبة الجناة

التحسن المنتظر على حالتها النفسية يكمله الوثائقي بإعلان المحكمة الدولية في لاهاي قبول اثنتين من اللواتي قدمن شهاداتهن في البرنامج الإذاعي، وذلك للسفر وحضور المحكمة الأولية التي قبلت النظر في الدعوى المقدمة من قبل ضحايا الإبادة العرقية من أبناء الروهينغا.

ينتقل الوثائقي معهما إلى لاهاي، ويصور مجريات الجلسات الأولية لمحكمة العدل الدولية والمتعلقة بتقديم الجناة للوقوف أمامها.

بعد عوتهما من هولندا تسجل الصحفيتان في المخيم لقاء إذاعيا معهما، يسألانهما عن الانطباعات التي خرجتا بها، لكن أهم ما يرد في كلامهما هو اكتشافهما عالما آخر أكثر تسامحا وعدلا لا يشبه عالم جيش ميانمار البشع، فقد وجدن في هذا العالم الجديد أملا لإدانة الجناة على أفعالهم وجرائمهم.

الجلسات الأولية لمحكمة العدل الدولية والتي تعرف حضور الضحايا كشهود

 

وفي جانب آخر من المخيم تظهر الأم بعد اقتناعها بحقيقة موت ابنتها في مشهد ختامي، حيث تبدو جالسة مع مجموعة من نساء المخيم تتبادل معهن الحديث عن الحياة والماضي المؤلم والمستقبل الذي يأملن أن يكون أفضل لعوائلهن.

المَشهد يؤكد أنه ورغم صعوبة العيش في المخيمات فإن قوة الأمل هي من تُبقي جذوة الحياة متوقدة، وهذا ما أكدته مجريات الوثائقي الرائع الذي جمع في وقت واحد المأساة إلى جانب الأمل، بطريقة تجعل منه واحدا من أهم الأفلام الوثائقية التي تناولت ما تعرض له شعب الروهينغا المسلم منذ دخول الجيش إلى قراهم بغرض تصفيتهم بالكامل، لكن الناجين منهم أفشلوا حلم قادته، وها هم يقدمونهم إلى المحاكم بعد أن ظن الجناة خطأ أن التاريخ قد ينسى جرائمهم.


ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث