الإثنين 21 صفر 1441 هـ | 21/10/2019 م - 01:47 مساءً - بتوقيت مكة المكرمة


العنف الطائفي في ميانمار بقلم/ فيليب هيجمانز
الإثنين | 10/11/2014 - 12:30 مساءً

مرّ أكثر من شهر منذ أن هزّت مندلاي، ثاني أكبر مدينة في ميانمار، أعمال شغب مميتة ضدّ المسلمين. وليست النوافذ المحطّمة، والشقوق الكبيرة على واجهات عشرات الشركات الصغيرة التي يديرها المسلمون، إلاّ ذكرى واضحة للعيان عن لحظات، دخل خلالها 300 بوذيّ متطرّف إلى البلدة، حاملين السيوف والحجارة، وقتلوا شخصين.

وما لا تراه العين هو التداعيات الاقتصاديّة، مع أنّ المجتمع المسلم في ميانمار يفيد بأنّ الخطابات المشحونة المناهضة للإسلام، وأعمال العنف الطائفي المتفشّية تهدّد سبل معيشتهم.

وأفاد ماما جي، وهو مسلم عمره 56 عاماً، يملك متجر تأجير دراجات وبقالة في مندلاي، قائلاً: «كنت أجني نحو 300 دولار شهريّاً، أمّا الآن وقد قلّ عدد السيّاح، بالكاد أؤجّر درّاجتين في اليوم، فلا أجني إلاّ 20 في المائة من دخلي السابق».

كان التجّار ورجال الأعمال المسلمون مسؤولين عن قسم كبير من النشاط الاقتصادي في البلاد، منذ أيّام الاستعمار ونفوذ شركة «الهند الشرقيّة». واليوم، يشكّل هؤلاء نسبة 5 في المائة من السكّان تقريباً، ويكتسب عدد كبير منهم لقمة عيشهم من شركات عائليّة صغيرة.

وقال أونغ، وهو مسلم يملك شركة إمدادات طبية في مندلاي،: إن الخوف من تجدّد أعمال الشغب أبعد العملاء والشركات على حدّ سواء.

وتابع أوتغ قائلاً: «إنّ بعضاً من الشركات الأكبر حجماً نقل أعماله إلى مناطق أخرى»، وهو طلب عدم ذكر شهرته، خشية أن تطاله أعمال انتقاميّة. وقد أضاف قائلاً: «لكنّ الخطر لايزال قائماً، بما أنّنا لا نعرف من يختبئ هناك، ولا نريد أن يرصدنا أيّ كان عندما نكون خارج مندلاي، وبالتالي، علينا أن نتوخّى الحذر لضمان استمراريّة أعمالنا».

وكشف أن أصحاب متاجر كثيرين انتقلوا مع عائلاتهم إلى ولاية شان في الشمال الشرقي للبلاد، في حين أن آخرين انتقلوا إلى ضواحي مندلاي.

وقال سكّان مندلاي أيضاً إن الشرطة عمدت في أعقاب أعمال الشغب إلى إغلاق شوارع، فيها عدد كبير من متاجر المسلمين، وقد انتهى الحصار الآن، ولكنّ الشرطة لاتزال موجودة بكثافة في المكان. وأفاد أصحاب شركات مسلمون بأنّهم خسروا ما بين 40 و60 في المائة من دخلهم، علماً بأنّ فارقاً بين 300 وألف دولار في الشهر هو في الواقع فارق بين حياة بدخل يكون بالكاد كافياً، وحياة من الفقر المدقع.

وواجهت الشركات الأكبر حجماً مقاومة هي التالية، وشكّلت شركة الاتصالات القطريّة «أوريدو»، التي أطلقت خدماتها في ميانمار في 15 أغسطس الماضي، موضوع احتجاجات مناهضة للمسلمين، ومحور حملة مغرضة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأنّ جذورها قائمة في دولة قطر الإسلامية. وفي مايو، أقام قوميون مناهضون للمسلمين، يترأسهم رهبان بوذيون، احتجاجات في مندلاي، مطالبين بمقاطعة كاملة لشركة «أوريدو» في ميانمار.

ومع أن عدداً من الأديرة بدأ بالمقاطعة بصورة مستقلّة، لم تنتشر موجة مقاطعة شركة «أوريدو»، التي أعلنت عن انتساب أكثر من مليون مشترك إليها خلال أوّل شهر من عملياتها.

يشار إلى أن أعمال العنف الطائفي التي تطال المسلمين وأقليات الروهينغيا، تتفاقم في أجزاء أخرى من ميانمار، ولاسيّما في ولاية راخين الواقعة على الساحل الغربي للبلاد، وفي كاتشين، في الشمال الشرقي.

ولفت خين ماونغ مينت، وهو من مسلمي الروهينغيا، وعضو تنفيذي في حزب التنمية الوطني الديمقراطي، وهو حزب سياسي يدافع عن حقوق المسلمين: «إن العنف الطائفي ينعكس على مجتمع أعمال مسلمي الروينغيا على الأصعدة كافّة، بدءاً بالشركات الصغيرة، ومروراً بالشركات الأكبر حجماً. وتبقى المشكلة من دون حلّ، والوضع يتزايد سوءاً إذ يختبر المسلمون معاناة يوميّة».

وكشف أنّه منذ بدء أعمال العنف ضدّ المسلمين في العام 2012، رحل مئات آلاف أبناء طائفة الروهينغيا، التي تقدّر أعدادها بما بين 1.2 و1.5 مليون نسمة، عن البلاد، في حين أن 150 ألفاً منهم يعيشون في مخيّمات. وقد انعكست أعمال العنف على 80 في المائة من الشركات في ولاية راخين، ولا سيّما في عاصمة الولاية سيتوي.

ولفت قائلاً: «أقدم متطرّفون في راخين على نهب شركات يملكها مسلمون، وقد يبقى عدد كبير منها مقفلاً الآن، ولا سيّما في ي»، مضيفاً أنّ أكثر من 300 متجر مملوك لمسلمين في سوق ميو ما، وهو الأكبر في البلدة، هُجِرَ على جناح السرعة في العام 2012.

وفي مندلاي، حيث فُرض حظر تجوّل في أعقاب أعمال شغب يوليو، أعلنت شركة الطيران المحلية «غولدن ميانمار إيرلاينز» أنّ رحلاتها المسائية، التي غالباً ما كانت تنطلق مع اقتراب موعد بداية حظر التجوّل عند التاسعة مساءً، لم تمتلئ إلا بنسبة 30 في المائة قبل رفع حظر التجوّل في أغسطس. وقد بدأ الوضع يتحسّن، إنّما قليلاً فقط، بحسب ما أكّد مسؤولون في شركة الطيران.

«في أعقاب أعمال الشغب مباشرةً، كانت بعض الطائرات ممتلئة، لأنّ الناس حاولوا جميعاً مغادرة البلدة»، بحسب ما أعلن هلين زار، مدير فرع شركة طيران «غولدن ميانمار»، وأضاف بالقول: «ومن ثمّ فُرض حظر التجوّل، وصعب علينا إقناع الناس بأخذ رحلات مسائيّة، لأنّهم خافوا كثيراً من انتهاك حظر التجوّل».

وخلال السنوات الثلاث الماضية، شهدت ميانمار تحوّلاً اقتصاديّاً، ومنحت الحكومة شركات أجنبيّة امتيازات بارزة لاستكشاف مخزوناتها النفطيّة غير المستغلّة، واستغلال قطاع الاتصالات فيها، ويقدَّران بمليارات الدولارات.

وبالنتيجة، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 4.1 مليار دولار في آخر سنة مالية، في ارتفاع عن 1.4 مليار دولار قبل سنة، وفقاً لما أوردته مديرية ميانمار للاستثمار وإدارة الشركات. وتوقّع صندوق النقد الدولي نموّ اقتصاد ميانمار بنسبة 8.5 في المائة خلال السنة الجارية، في ارتفاع طفيف عن 8.25 في المائة قبل سنة.

وعلى الرغم من عدم تسجيل تراجع ملحوظ في الاستثمار الأجنبي حتّى الساعة، قد يبدّل تواصل العنف الطائفي هذا الواقع، عند مفترق الطرق المحوري الذي تشهده التنمية في البلاد، بحسب ما يؤكّد الخبراء.

وأعلن سين يانغ بارك، وهو كبير خبراء اقتصاد معاون في «البنك الآسيوي للتنمية»، أنّ التوتّر الديني يشكل «مصدر قلق كبيراً» في بعض قطاعات الاقتصاد.


ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث