الإثنين 21 صفر 1441 هـ | 21/10/2019 م - 01:59 مساءً - بتوقيت مكة المكرمة


مسلمو بورما.. منسيون لا بواكيّ لهم
الأحد | 31/08/2014 - 09:37 صباحاً

رصد - ملفات 29/08/2014

منسية هي دائماً من بين عشرات بل مئات البلدان التي لا انسمع عنها خبراً سوى صورةٍ عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي. وتجد المنتفضين في كل مكان لحادث هنا أو آخر هناك، فيما لا يحركون ساكنًا أمام مذابح بشعة وجرائم إبادة جماعية بحق مسلمي بورما، بل إن الإدانة صارت عبئًا حتى على الأمم المتحدة، منظمة كل الأمم البشرية، وهكذا ستظل أمةٌ كاملةٌ لا بواكيَ لها، حتّى آخر فردٍ فيها، أو هكذا يبدو.

"ميانمار" أو ما تسمى بـ"بورما" هي إحدى دول جنوب شرق آسيا. اللغة الرسمية لها هي البورمية, ولغات أخرى خاصة بالأقليات العرقية المختلفة، حيث يتكون اتحاد بورما من أعراق عديدة تصل لأكثر من 140 عرقية، وأهمها من حيث الكثرة البورمان، وهم الطائفة الحاكمة، فضلًا عن شان وكشين وكارين وشين وكايا وركهاين (الماغ)، والمسلمون، ويعرفون بالروهينجا، وهم الطائفة الثانية بعد البورمان. ويُعدُّ المسلمون من أفقر عرقيّات ميانمار، وأقلها تعليمًا، بل إن معلوماتهم عن دينهم محدودة للغاية.

ويبلغ تعداد السكان نحو 55 مليون نسمة, وتشير الإحصائيات الرسمية في ميانمار إلى أن نسبة المسلمين في هذا البلد تقل عن 15% من إجمالي عدد السكان، حيث يتراوح عدد المسلمين بين 8 :10مليون نسمة نصفهم في إقليم أراكان بورما، ذو الأغلبية المسلمة، إذ تصل نسبة المسلمين فيه إلى أكثر من 70%.

في ميانمار، البوذية هي الديانة الرسمية، وتبلغ نسبة انتشارها 89%, والمسيحية 4%, والإسلام 4%، ويطلق على الأقلية المسلمة في بورما شعب الروهنجيا، وهم ينحدرون من أصول عربية، وفارسية، و ملاوية، ومغولية، و باتانية (الباتان قوم يقطن أكثرهم في باكستان وأفغانستان والهند ويعرفون أيضًا بالبشتون). أما عباد الطبيعة فنسبتهم 1%، و2% لباقي الديانات والمعتقدات.

يذكر المؤرخون أن الإسلام وصل إلى أراكان في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد في القرن السابع الميلادي عن طريق التجار العرب حتى أصبحت دولة مستقلة حكمها ملوكٌ مسلمون على التوالي، ولأكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، أي ما بين عامي 1430م - 1784م، وقد تركوا آثارًا إسلامية من مساجد ومدارس.

وتقول إحدى الروايات أن الإسلام دخل إلى بورما عن طريق أراكان في القرن الأول الهجري بواسطة تجار العرب وعلى رأسهم الصحابي وقاص بن مالك، ومجموعة من التابعين وأتباعهم, حيث كان العرب يمارسون مهن التجارة؛ ولأجلها يسافرون إلى قاصي البلاد ودانيها، وفي يوم من الأيام انكسرت سفينتهم أثناء سفرهم للتجارة في وسط خليج البنغال على مقربة من ساحل أراكان؛ فاضطروا إلى اللجوء إلى جزيرة رحمبي بأراكان.

وبعد ذلك توطَّنوا في أراكان وتزوجوا من بنات السكان المحليين، ثم بدؤوا ممارسة الدعوة إلى الإسلام فيما بين السكان المحليين، وكان لحسن معاملتهم ودعوتهم أثر كبير في دخول كثير من السكان في الإسلام، وبعد ذلك تردد عليها الدعاة من مختلف مناطق العالم، إلى أن استطاع المسلمون تأسيس دولة إسلامية في أراكان منذ عام 1430م بيد سليمان شاه، واستمرت الحكومة الإسلامية فيها لمدة أكثر من ثلاثة قرون ونصف إلى أن هجم عليها البوذيون عام 1784.

وفي عام 1784 احتلها الملك البوذي البورمي "بوداباي"، وضم الإقليم إلى بورما؛ خوفًا من انتشار الإسلام في المنطقة، وعاث في الأرض دمارًا؛ إذ دمَّر كثيرًا من الآثار الإسلامية من مساجد ومدارس، وقتل العلماء والدعاة، واستمرَّ البوذيون البورميون في اضطهاد المسلمين ونهب ممتلكاتهم، وتشجيع البوذيين "الماغ" على ذلك خلال فترة احتلالهم لـ40 سنة والتي انتهت بمجيء الاستعمار البريطاني، وفي عام 1824م احتلت بريطانيا بورما، وضمتها إلى حكومة الهند البريطانية الاستعمارية، وظل الاستعمار لأكثر من 100 عام.

مارست السلطة العسكرية البورمية، كل أشكال الانتهاكات ضد مسلمي بورما؛ لدفعهم لترك أراضيهم أو لتحويلهم عن دينهم، فكانت عمليات القتل والاغتصاب والتعذيب ومصادرة الأراضي تتم بشكل ممنهج وبأقسى الصور، وقد زادت الانتهاكات مع الحملات التي شنتها السلطات بدعوى فرض النظام في عامي 1978 و1991.

ومنع النظام البوذي مسلمي بورما من الالتحاق بالوظائف الحكومية، كما تم إجبار النسبة الضئيلة التي حصلت على وظائف على تغيير أسمائهم الإسلامية، وهو الأمر الذي تكرر فيما يخص التعليم بسبب التمييز العنصري، وعليه فقد تخلف الروهينيجيون في مجالات العلوم بشكل عام، ولم تكتف السلطات بذلك، بل وقفت بالمرصاد أمام التعليم الديني والمدارس الدينية والعلماء القائمين عليها.

ووصل التضييق لدرجة عدم السماح لهم بالتنقل من قراهم إلى القرى داخل الولاية دون تصريح مسبق، كما أنهم ممنوعون من الزواج دون تصريح.

واضطر مئات الآلاف من مسلمي بورما إلى الفرار بحياتهم جراء تلك الممارسات، إلى بنجلاديش وتايلاند، حيث يعيشون في معسكرات على الحدود، إلى أن تم قبولهم "مهاجرين لأسباب اقتصادية"، وهي صفة تطلق عليهم لتجعلهم في النهاية لا يتمتعون بأي جنسية، فلا النظام الحاكم يعترف بهم، كما لا تعترف بهم الدول المضيفة إلا فيما ندر.

ورغمًا عن الانتهاكات بحقهم، لا يزال مسلمو بورما متمسكون بعقائدهم. وفيما يعمل معظم رجالهم في الزراعة والرعي، وأحيانًا التجارة، فيما قلّ، فإن نساءهم تساعدهم في أعمالهم على قدرٍ، ويتوجه الأطفال في الأغلب نحو المدارس الدينية قليلة الإمكانيات.


ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث