الأحد 8 شوال 1441 هـ | 31/05/2020 م - 10:28 صباحاً - بتوقيت مكة المكرمة

موجز تاريخ


مصائب كورونا فوائد للبعض
الثلاثاء | 19/05/2020 - 08:19 صباحاً

وكالة أنباء الروهنجيا ـ الاقتصادية

بقلم د. عبد الله المدني

مقولة "مصائب قوم عند قوم فوائد" تنطبق هذه الأيام على ميانمار - بورما سابقا - وبعبارة أخرى فإن مصيبة الشعب البورمي من جراء انتشار وباء كوفيد - 19 في صفوفه صارت بمنزلة فائدة لجنرالاته القمعيين. فهؤلاء الذين تراجع دورهم وفقدوا كثيرا مما كانوا يتمتعون به على مدى عقود من سطوة وهيمنة على الأمة ومقدراتها، يبدو أنهم اليوم يتأهبون لاسترجاع الدور الذي فقدوه لمصلحة حركة المعارضة المدنية الديمقراطية بقيادة أونج سان سوشي.
فبعد أسابيع من النفي الرسمي لانتشار وباء كورونا في البلاد، أقرت السلطة العسكرية في مطلع نيسان (أبريل) الجاري بوجود 161 حالة إصابة مع وفاة ستة أشخاص فقط. وبطبيعة الحال، لا يمكن الوثوق تماما بهذه المعلومات، ليس لأنها رسمية ويشوبها التعتيم بهدف المحافظة على صورة النظام، وإنما لسبب آخر هو أن إجمالي من تم فحصهم لا يتعدى عددهم المئات من أصل عدد السكان البالغ 51 مليونا بحسب تقديرات عام 2005، دعك من ضعف البنية التحية الخاصة بمواجهة الكوارث الصحية وافتقارها الشديد للكوادر الطبية المختصة، ودعك أيضا من حقيقة اشتراكها في حدود جغرافية طويلة مع ثلاث دول تفشى فيها الوباء وهي الصين (2200 كيلومتر) وتايلاند (2400 كيلومتر) والهند (1600 كيلومتر).
ولعل أحد مظاهر عودة الصراع بين جنرالات ميانمار وغريمتهم سان سوشي التي تدير الحكومة المنتخبة فعليا على خلفية كارثة كورونا، هو أن الأخيرة شكلت في منتصف مارس المنصرم لجنة برئاستها مكونة من 21 عضوا من أجل إدارة الأزمة، بينما قام العسكر في نهاية آذار (مارس) بتشكيل لجنة أخرى موازية من عشرة أعضاء لم تتمثل فيها سان سوشي أو أي من أنصارها ومحازبيها المدنيين كوزير الصحة مثلا.
في مبررات وأهداف اللجنة الأخيرة أعلن العسكر أنها خاصة بمتابعة تطورات الأمور المرتبطة بالوباء، وتعقب أثر المصابين به ومن اختلط بهم، ومحاسبة كل أولئك الذين يروجون للأخبار والشائعات الكاذبة من تلك التي قد تثير الذعر في البلاد وفي صفوف السكان.
وكان اللافت في اللجنة المشكلة من قبل العسكر أن رئاستها أسندت إلى مينت شوي النائب الأول لرئيس البلاد وهو جنرال سابق معروف بسجله المشين في اعتقال وقمع المعارضين، بما في ذلك دوره الوحشي في ضرب انتفاضة عام 2007 التي قادها الكهنة البوذيون ضد النظام العسكري وعـرفت بالثورة الزعفرانية.
كما كان لافتا أيضا منح عضوية اللجنة للجنرالات الثلاثة الذين فرض توزيرهم على سان سوشي في حكومتها المدنية مثل وزراء الدفاع والداخلية وشؤون الحدود، فضلا عن الجنرال ميا تون أوو رئيس هيئة الأركان الليفتينانت، وهو من كبار العسكر الذين يديرون شؤون البلاد خلف الكواليس.
ومما قيل على لسان عديد من مراقبي شؤون هذه البلاد، إن تجنب قيام العسكر حتى الآن بفرض حالة الطوارئ في ميانمار، لا يعني أنهم لا يطمحون في استعادة دورهم القيادي الشمولي السابق. فاللجنة التي تم تشكيلها وحقيقة أن الهيمنة فيها لجنرالات أقوياء سابقين يعني أن العسكر قد عادوا لإدارة شؤون البلاد مباشرة، ولم يعدوا مجرد قوة تمارس السلطة من خلف ظهر حكومة سان سوشي أو بالتعاون معها.
ومما قيل أيضا، إن وباء كورونا جاء هدية من السماء لجنرالات ميانمار، كي يعززوا دورهم وسلطاتهم في مواجهة حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بزعامة سان سوشي، خصوصا أن الأخيرة أفصحت عن نيتها قبل انتشار وباء كورونا في العالم ببضعة أسابيع في إجراء تصويت لتعديل دستور 2008، الذي من ضمن بنوده بند يضمن للعسكر ربع مقاعد البرلمان بالتعيين. وهذا البند، الذي يقيد حرية سان سوشي وأنصارها لجهة تمرير التشريعات والقوانين المطلوبة يصوره العسكر بندا ضروريا لتأمين الاستقرار الوطني.
ليس هذا فقط كل ما أهداه الوباء الصيني لعسكر ميانمار، وإنما أيضا هدية أخرى عزيزة على قلوبهم، تمثلت في منحهم الفرصة مجددا لممارسة كتم الأفواه وتقييد حرية التعبير والحركة. فبحجة السلامة الوطنية وتجنيب البلاد إصابات المرض وحالات الوفاة، لوحظ تعقب السلطات العسكرية والأمنية لنشطاء وسائل التواصل الاجتماعي ورموز الإعلام المستقل ممن كانوا يعملون في الماضي من خارج البلاد وعادوا إليها مع بدء عملية الانفتاح والمصالحة الوطنية عام 2012. ولم تشمل عملية التعقب والتوقيف هذه مروجي الإشاعات فقط وإنما كانت فرصة أيضا لقمع رموز وأنصار جيش أراكان، وهي جماعة مسلحة من الروهينجيا المسلمين ناشطة في أدغال ولاية راخين الشمالية.
وطالما أتينا على ذكر أراكان فإن الجهات الحقوقية الدولية حذرت ميانمار من خطر تفشي وباء كورونا بين مسلميها الموجودين داخل معسكرات تعاني ضيق المساحة والاكتظاظ، وغياب معايير النظافة وقلة دورات المياه، وغير ذلك من الأمور التي تسهل انتشار الفيروس المميت وتصعب عملية السيطرة عليه.


التعليـــقات
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الوكالة وإنما تعبر عن رأي أصحابها

ذكرى 3 يونيو

المقالات
مؤلفات
القائمة البريدية
اشترك الآن في القائمة البريدية لتصلك نشرة دورية بأحدث وأهم الأخبار
البحث